samedi 16 mai 2026

تحضير نص ما لي بدار خلت من أهلها شغل - أولى باكالوريا آداب - الممتاز في اللغة العربية

تحضير نص: ما لي بدار خلت من أهلها شغل

مكون النصوص – الممتاز في اللغة العربية – ص 77 – أولى باكلوريا آداب

تمهيد حول العصر العباسي

يعتبر العصر العباسي من أزهى فترات الأدب العربي، حيث بلغ الأدب أقصى درجات الجمال والكمال الفني، نتيجة اختلاط الثقافات، وخاصة الثقافة الفارسية، وتعدد الأجناس، والتحولات الحضارية والاجتماعية. وقد تمثلت هذه التحولات في الانتقال من البداوة إلى الحضارة والتمدن، والاستقرار في المدن، وظهور مفهوم الدولة، وازدهار البناء والعمران، وتغير أساليب العيش والاستمتاع برغد الحياة.

وقد وجدت هذه التحولات صداها كذلك في بلاد المغرب والأندلس، خاصة على مستوى بناء القصيدة وأغراضها.

ملاحظة النص

1- قراءة في العنوان

العنوان: ما لي بدار خلت من أهلها شغل.

من الناحية التركيبية، العنوان تركيب إسنادي اسمي، حيث جاء المبتدأ مؤخرا وهو كلمة شغل بمعنى اهتمام، أما الخبر فهو شبه جملة مقدم: لي. والجار والمجرور بدار متعلقان بالخبر، أما كلمة دار فقد وُصفت بجملة فعلية: خلت من أهلها.

من الناحية الدلالية، يشير العنوان إلى رفض الشاعر الوقوف على الأطلال والبكاء على ديار الحبيبة، كما كان يفعل الشعراء القدامى، مما يدل على رغبته في التجديد والخروج عن تقاليد القصيدة القديمة.

2- بداية النص ونهايته

في مطلع القصيدة يصرح الشاعر بأنه لا يهتم بدار خلت من أهلها، ولا يشغله الطلل أو الرسم. أما في المقطع الأخير، فيدعو إلى وصف الروض وزيارته والتمتع بجماله.

3- فرضية النص

انطلاقا من العنوان وبداية النص ونهايته، نفترض أن الشاعر سيدعو إلى ترك حياة البداوة وما يرتبط بها من مظاهر قديمة، والاستمتاع بمظاهر الحضارة ومباهجها.

تأطير النص

النص قصيدة شعرية عمودية ذات نظام الشطرين، تندرج ضمن الشعر العباسي المعبر عن التحولات الحضارية والاجتماعية.

مصدر النص: مقتطف من ديوان أبي نواس، شرح وضبط وتقديم الأستاذ علي فاعور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1987، بتصرف.

صاحب النص: هو الحسين بن هانئ، الملقب بأبي نواس، من أشهر شعراء العصر العباسي، ومن كبار شعراء التجديد. وُلد بالأهواز، ثم رحل إلى البصرة والكوفة، واستقر ببغداد. اشتهر بتمرده على تقاليد القصيدة القديمة، ويعد من أبرز ممثلي الاتجاه التجديدي في الشعر العباسي.

فهم النص

الشرح اللغوي

  • حرف: ناقة ضامرة.
  • الحَزْن: ما غلظ من الأرض، وهو ضد السهل.
  • العِقد: التمر المنضود المرصوص المنتظم.
  • الهدل: صوت الحمام.
  • الرَّجع: الصدى، أي تردد الصوت أو الكلام.

المضمون العام

تمرد الشاعر على مقومات القصيدة القديمة، ودعوته إلى الاهتمام بالمواضيع الحضارية الجديدة، كوصف جمال الرياض والطبيعة.

الوحدات الدلالية

الوحدة الأبيات المضمون
الأولى من البيت 1 إلى 7 رفض الشاعر الوقوف على الأطلال وتجنب مظاهر القصيدة القديمة.
الثانية من البيت 8 إلى 16 وصف الشاعر جمال الروض وما فيه من طبيعة وحيوان.
الثالثة من البيت 17 إلى 19 دعوة الشاعر إلى زيارة الروض والتمتع بجماله.

تحليل النص

1- الحقول الدلالية

يهيمن على النص حقلان دلاليان أساسيان:

أ- حقل الإنسان

من الألفاظ والعبارات الدالة عليه: مالي، شجاني، أبكي، قطعت، أدركني، أنعت، شددت، صفتي، رأيت. كما نجد ألفاظا دالة على المخاطب مثل: إن جئت، زائرها، غناك، ناداك، فصف.

ب- حقل الطبيعة

وينقسم إلى طبيعة حية مثل: الناقة، الجمل، الضب، الحرباء، الورل، النحل، الذئب، الكبش، الحمل، الطائر، البلبل. وطبيعة ساكنة مثل: دار، طلل، رسوم، بيداء، حزن، سهل، جبل، الروض، شجر.

العلاقة بين الحقلين هي علاقة ترابط وتكامل، لأن الشاعر يدعو مخاطبه إلى التخلي عن حياة البداوة ورموزها القديمة، والتمتع بالحياة الحضارية الجديدة في مظاهرها الإنسانية والطبيعية.

2- الصور البلاغية

الاستعارة

في قول الشاعر: فلم تزل بمد الندى ترضعه حتى تمكن في أوصاله العسل، استعارة مكنية، حيث شبه الطبيعة بالإنسان، وحذف المشبه به، وترك قرينة دالة عليه وهي ترضعه.

وفي قوله: من بلبل غرد ناداك من غصن يبكي لبلبله، استعارة مكنية كذلك، إذ شبه البلبل بالإنسان، وحذف المشبه به، وترك قرائن مثل: ناداك ويبكي.

التشبيه

في قوله: صفرا وحمرا بها كالجمر يستعل، نجد تشبيها مرسلا مفصلا، حيث المشبه هو العقود، والمشبه به هو الجمر، والأداة هي الكاف، ووجه الشبه هو اختلاط الصفرة بالحمرة.

وفي قوله: يا طيب تلك عروسا، نجد تشبيها بليغا، حيث شبه الروض بالعروس، وحذف الأداة ووجه الشبه.

وظف الشاعر الاستعارة والتشبيه لتقريب المعنى وإضفاء جمالية شعرية على القصيدة، وإبراز مظاهر الحضارة الجديدة في مقابل حياة البداوة وتقاليدها.

3- البنية الإيقاعية

من حيث الإيقاع الخارجي، نظم الشاعر قصيدته على بحر البسيط: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن في كل شطر. كما اعتمد على روي اللام المضمومة المشبعة، ووحدة القافية المطلقة.

أما من حيث الإيقاع الداخلي، فقد وظف الشاعر تكرار بعض الحروف مثل اللام والميم والنون، كما وظف الجناس الاشتقاقي مثل: أعرفه / يعرفني، ومختبرا / مخبرا، وفصف / وصفه.

4- الأساليب

زاوج الشاعر بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي. فالأسلوب الخبري استعمله لبيان مظاهر التحول في الحياة العباسية، أما الأسلوب الإنشائي فجاء قليلا نسبيا، ومن أمثلته:

  • الأمر: صفه، قل.
  • النداء: يا طيب.
  • النفي: لا شجاني، لا أبكي، ليس يعرفني.
  • التمني: لو كان يصلح منها الشم والقبل.

وقد مكنت هذه الأساليب الشاعر من التعبير عن موقفه من الحياة البدوية والحياة الحضارية، حيث تبدو الأولى مرتبطة بالسكون والملل، والثانية مرتبطة بالحركة والبهجة.

قيمة النص ومقصديته

للنص قيمة حضارية تتجلى في إبراز مظاهر التحولات الحضارية في العصر العباسي. كما أن له قيمة فنية، لأنه يمثل نموذجا للشعر العباسي المجدد الذي ثار على خصائص القصيدة التقليدية، وخاصة المقدمة الطللية.

تركيب النص

في هذه القصيدة العمودية للشاعر أبي نواس، التي تندرج ضمن الشعر العباسي المعبر عن التحولات الحضارية والاجتماعية التي عرفها المجتمع العربي في العصر العباسي، يقدم الشاعر نظرته الجديدة إلى الحياة. فقد رفض الوقوف على الأطلال والبكاء على الديار الخالية، ودعا إلى الاهتمام بمظاهر الحضارة والاستمتاع بجمال الطبيعة والروض.

وقد عبر الشاعر عن موقفه بلغة بسيطة، موظفا حقلين معجميين هما حقل الإنسان وحقل الطبيعة، ومستعملا ضمير المتكلم والمخاطب، إضافة إلى بعض الصور البلاغية مثل الاستعارة والتشبيه. كما اعتمد على بحر البسيط وبنية إيقاعية جميلة ساعدته على التعبير عن التجديد الأدبي الذي عرفته القصيدة العربية في العصر العباسي.

خلاصة: النص دعوة إلى التجديد الشعري والحضاري، ورفض لتقليد القدماء في الوقوف على الأطلال.

0 commentaires

Enregistrer un commentaire