تحضير نص النهاية
مكون النصوص – في رحاب اللغة العربية – ص 163 – الجذع المشترك الأدبي
تقديم عام
يندرج هذا النص ضمن شعر التفعيلة، وهو شعر اعتمد وزنًا جديدًا وتمرد على نظام البيت القائم على الشطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري مع الحفاظ على التفعيلة. وقد ظهر شعر التفعيلة في الخمسينيات من القرن العشرين بالعراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
ومن أهم خصائص قصيدة التفعيلة: الاعتماد على نظام السطر الشعري بدل نظام الشطرين، والاعتماد على وحدة التفعيلة دون التقيد بالبحر الواحد، وتناول مواضيع ذات أبعاد إنسانية وكونية، مع توظيف الانزياح والرمز والأسطورة والتعبير بلغة غير مألوفة.
أما شعر الاغتراب فهو ذلك الشعور الذي يحسه الإنسان عندما يكون وحيدًا داخل وسط لا يعرف فيه أحدًا، أو حين يشعر بالعزلة داخل مجتمع لا يتفق معه، أو يضطر إلى المكوث فيه، أو يشعر بالبعد عن الأهل والأحباب في بلاد أخرى. وموضوع الاغتراب قديم في الشعر العربي، غير أنه في العصر الحديث اتخذ صورة الانفصام بين الشاعر وواقعه المعيش، ويتجلى في الإحساس بفقدان الكرامة الإنسانية والقهر الروحي والمادي، مما يدفع الشاعر إلى التعبير عن اليأس والنقد والرفض.
ملاحظات النص
العنوان: النهاية، وهو عنوان مفرد يشير دلاليًا إلى الخاتمة، عكس البداية، ويوحي بنهاية شيء بالفناء أو نهاية شخص بالموت، وما يترتب عن ذلك من نتائج سلبية وأحاسيس حزينة.
ومن خلال مطلع القصيدة والسطرين الأخيرين، يتبين أن الشاعر يعبر عما يعانيه من قسوة الحياة التي تنذر بنهايته وموته، كما يكتشف مطاردة الموت له في كل مكان.
انطلاقًا من العنوان ومطلع القصيدة والسطرين الأخيرين، يبدو أننا بصدد قصيدة من شعر التفعيلة في موضوع الاغتراب.
تأطير النص
نوع النص ومجاله: النص قصيدة من الشعر الحر ومن شعر التفعيلة، وتندرج ضمن شعر الاغتراب.
مصدر النص: القصيدة مقتطفة من ديوان «أياد كانت تسرق القمر» عن دار النشر المغربية بالدار البيضاء، طبعة سنة 1988، الصفحة 15، بتصرف.
صاحب النص: عبد الله راجع شاعر مغربي من مواليد مدينة سلا، ويعتبر من أبرز ممثلي حركة التجديد في الشعر المغربي المعاصر. من دواوينه الشعرية: موسم الهجرة إلى المدن السفلى، سلامًا وليشرب البحر، وأياد كانت تسرق القمر.
فرضية النص
انطلاقًا من دراسة المؤشرات الخارجية التي توقفنا عندها، نفترض أن الشاعر عبد الله راجع سيصور أحاسيسه الحزينة وهو يترقب الموت.
شرح المفردات
- تتغضن: أي تكسوها التجاعيد.
- يطارح: أي بادل.
- هدرًا: ضياعًا.
- يرصدني: يراقبني ويتربص بي.
المضمون العام
تصوير الشاعر إحساسه بآلام الاغتراب والضياع ووطأة ترقب الموت، وما يكشف عنه ذلك من أحوال محزنة.
الوحدات الدلالية
- المقطع الأول: من السطر الأول إلى السطر السابع، ويبتدئ بـ: «هي الأرض».
يدل على إحساس الشاعر باقتراب نهاية حياته وحزنه على فراق الأحباب. - المقطع الثاني: من السطر الثامن إلى السطر الخامس عشر، ويبتدئ بعبارة: «لأني أحس».
يدل على استحضار الشاعر حال ابنته وأحوال أعزائه بعد رحيله. - المقطع الثالث: من السطر السادس عشر إلى السطر الرابع والعشرين، ويبتدئ بعبارة: «لأني أحس».
يدل على مقارنة الشاعر بين رؤيته لنهايته المرتقبة وبين رؤية رفاقه لها. - المقطع الرابع: من السطر الخامس والعشرين إلى السطر الرابع والثلاثين، ويبتدئ بعبارة: «لأني أحس».
يدل على رفض الشاعر ما آلت إليه أوضاع البلاد وهو مشرف على نهايته.
تحليل النص
1) المعجم
يتوزع النص على حقلين دلاليين:
أ- حقل الألم: لا شيء ينقذني، الجسد المحاصر، كآبة، أحس بالنهاية، يبكى علي، راح هدرًا، يطارحنا الهم، حزن البلاد، صرخت...
ب- حقل الأمل: امتداد الحلم، زهيرات الخريف، يفتح أبوابه للقمر، جبين ابنتي، سينبت شجر، الربيع، لعصفورة أن تعود...
العلاقة بين الحقلين هي علاقة تضاد وتنافر، وتعكس مدى معاناة الشاعر من الاغتراب في بلاده، وحلمه بعودة الأمن والطمأنينة.
2) الأساليب البلاغية
اعتمد الشاعر على التشبيه والاستعارة:
-
التشبيه الأول: في السطر الثاني: «وأنا امتداد الحلم».
المشبه: أنا / المشبه به: امتداد الحلم / أداة التشبيه محذوفة / وجه الشبه محذوف، لذا فهو تشبيه بليغ مؤكد ومجمل. -
التشبيه الثاني: في السطر الخامس: «وليس الرحيل أحبابي سوى مر سحابة».
المشبه: رحيل أحبابي / المشبه به: مر السحابة / الأداة محذوفة / وجه الشبه محذوف، فهو أيضًا تشبيه بليغ. - الاستعارة الأولى: في السطر الأول: «الأرض التي تحبو»، وهي استعارة مكنية.
- الاستعارة الثانية: في السطر الثامن عشر: «سينبت في جسدي شجر»، وهي استعارة مكنية.
وقد وظف الشاعر التشبيه والاستعارة لبيان معاناته من الاغتراب، وحزنه على فراق أحبابه المرتقب.
3) البنية الإيقاعية
الإيقاع الخارجي: يتمثل في التفعيلة كوحدة إيقاعية متفاوتة حسب التدفقات الشعورية، كما يتجلى في تنويع الروي وعدم الالتزام بروي موحد.
الإيقاع الداخلي: يتمثل في تكرار بعض الحروف مثل الميم والنون، وتكرار بعض الكلمات والعبارات مثل: «لأني أحس»، و«كان»، و«هدرًا».
وقد أكسب هذا التوظيف الإيقاعي المتنوع القصيدة جرسًا موسيقيًا ممتعًا، وعبّر عن أحاسيس الشاعر وآلامه.
4) الأساليب
الأساليب الخبرية: يغلب على النص الطابع الخبري، لأن الشاعر يطلعنا على حالة الاغتراب التي يعاني منها، وعلى شعوره بقرب نهايته وما يتوقعه من تصرفات أحبائه.
الأساليب الإنشائية: نجد النداء في مثل: «يا زهيرات»، والاستفهام في مثل: «كيف أمشي؟»، «أين راح؟»، «لماذا لم نعد نرتمي؟».
وقد وظف الشاعر هذه الأساليب للتعبير عن معاناته عندما تأكد من قرب نهايته.
القيمة الفنية ومقصدية النص
للنص قيمة فنية وأدبية تتمثل في كونه نموذجًا لشعر التفعيلة في نمط شعر الاغتراب.
كما أن له أبعادًا إنسانية تتجلى في التحسيس بتأثير الاغتراب ودوره في الإحباط أو التحدي.
تركيب النص
في هذه القصيدة الحرة، أو من شعر التفعيلة، والتي تندرج ضمن نمط شعر الاغتراب، يصور الشاعر المغربي عبد الله راجع شعوره بالاغتراب وإحساسه بتوقع دنو أجله، مفترضًا كيف ستكون أحوال أهله وأحبابه. وقد وظف حقلين دلاليين هما حقل الألم وحقل الأمل، كما اعتمد نظام التفعيلة واللغة الإيحائية المتمثلة في التشبيه والاستعارة، ووظف الأساليب الخبرية والإنشائية وإيقاعًا موسيقيًا متنوعًا، حتى يتمكن من تصوير مأساته ومعاناته من جراء الاغتراب.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire