تحضير نص: الصمت
مكون النصوص – النجاح في اللغة العربية – ص 10
تقديم عام
يندرج نص الصمت ضمن مجزوءة الحكي، وبالضبط ضمن محور النصوص السردية، وهو نص سردي للكاتب أبو المعاطي أبو النجا.
مفهوم السرد
السرد تقنية من تقنيات التعبير تُروى بها قصة أو حكاية، بشرط أن تحتوي هذه القصة على أحداث، سواء كانت من صميم الواقع أو من نسج الخيال أو منهما معًا، وتجسدها شخصيات متنوعة ضمن إطار زماني ومكاني محدد، ووفق حبكة فنية محكمة تجذب المتلقي للاستمرار في متابعة الأحداث المسرودة.
الرؤى السردية
1- الرؤية من الخلف: فيها يبرز السارد قدرته على معرفة مشاعر وأحاسيس شخصيات النص، فهو العارف الوحيد بكل خفاياها، والكاشف الوحيد لما يدور في خلجات نفوسها، ويكشف دواخلها وماضيها ومستقبلها وكل شيء عنها.
2- الرؤية المصاحبة أو الملازمة: يحضر فيها التساوي المعرفي بين معرفة السارد بالأحداث ومقدار معرفة الشخصيات بها، وغالبًا ما تتوافق مع ضمير المتكلم والسيرة الذاتية، حيث تكون المعرفة ملازمة ومصاحبة للشخصيات.
3- الرؤية من الخارج: تكون معرفة الكاتب فيها أضعف من معرفة شخصياته بأحداث النص، فرغم أنه الكاتب، إلا أنه أقل علمًا بالأحداث من الشخصيات التي ابتكرها.
المنظور السردي
نقصد بالمنظور السردي الضمائر التي يتوسل بها الكاتب أو السارد لسرد الأحداث. وهو يتعلق بالضمير الذي يتمظهر به السارد، وغالبًا ما يكون:
- ضمير المتكلم: حيث يحضر السارد في الحدث حضورًا أساسيًا، وهو ما يتوافق مع نصوص السيرة الذاتية.
- ضمير الغائب: يوظفه سارد يفترض أن يكون محايدًا، مختفيًا خلف مجموعة من الأقنعة السردية رغبة في التزام الموضوعية.
أشكال السرد
طالما أن السرد إدراك للحدث على محور الزمن، فإنه يتخذ ثلاثة أشكال:
- السرد المتسلسل: يراعي فيه السارد تسلسل الزمن الطبيعي وتدرج الأحداث من البداية إلى النهاية.
- السرد المتقطع: يخرق مبدأ التسلسل الطبيعي للزمن، ويسمح بتداخل الأزمنة وتراكمها، وقد يبدأ الحدث من نهايته أو من الوسط، ويعتمد على الحذف والاسترجاع والاستشراف والاختزال.
- السرد المتناوب: تعرض فيه المادة الحكائية على شكل مقاطع سردية تتناوب الحضور في الزمن، كأن ينتقل الكاتب من قصة إلى أخرى ثم يعود إلى الأولى.
تأطير النص
عنوان النص: الصمت
صاحب النص: أبو المعاطي أبو النجا
نوع النص: نص سردي
المجال: اجتماعي / إنساني
المجزوءة: الحكي
التعريف بصاحب النص
أبو المعاطي أبو النجا أديب وروائي مصري من مواليد محافظة الدقهلية، تعلم في المعهد الديني، وتحصل على دبلوم التربية من كلية التربية، وهو عضو اتحاد الكتاب بجمهورية مصر. من مؤلفاته: فتاة المدينة، ابتسامة غامضة، الناس والحب، العودة إلى المنفى.
دلالة العنوان
يحيل عنوان النص الصمت إلى عالم السكون والفراغ والحزن والوحدة، ارتكانًا إلى حوار ذاتي مغلق خارج نطاق اللغة، تترجم فيه الملامح والقسمات والعيون كل ما يدور في النفس. وبالنظر إلى كون لفظة العنوان معرفة، فإن هذه الإشارة تصبح مقصودة لذاتها، ويصبح الصمت معها متعلقًا بموقف قوي صادر من شخص ليس له من القوة ما يؤهله للدفاع والتعبير اللغوي المباشر عما يتألم بسببه أو يصرخ به في وجه من كان سببًا فيه.
فرضية النص
انطلاقًا من العنوان وصاحب النص وبعض المؤشرات الخارجية كبداية النص، نتوقع أن يصور الكاتب معاناة طفلة خادمة مع مشغلها في سياق قضية اجتماعية تسببت فيها صفعة المشغل وصراخه عليها، مما حول صخب البيت الصغير وحركيته إلى صمت قاتل وكآبة مملة.
مضمون النص
يدور مضمون النص السردي حول قصة طفلة خادمة تعرضت للصفع والصراخ من قبل مشغلها بسبب ضحكاتها المتتالية وصخبها وضجيجها الذي لا يجد معه السارد مجالًا للتركيز في أشغاله وكتاباته، الأمر الذي نتج عنه ركون الخادمة إلى الصمت الرهيب الذي حول فضاء البيت الصغير الذي تشتغل فيه إلى كآبة مزلزلة، دفعت السارد في نهاية النص إلى معالجتها بالتوسل إليها والتودد لها، معيدًا إليها الضحكة الصغيرة المجلجلة في أرجاء البيت. وهذا يؤشر على أن السلوك الاجتماعي القائم على التواصل والتقدير والاحترام والتسامح وحده يصنع أمن البيوت والشعوب.
الوحدات السردية
- تسرع السارد في صفع الخادمة جراء ضحكها المستمر مع ابنته في أرجاء البيت، بدعوى أنه كاتب يحتاج إلى الهدوء.
- تصوير رد فعل الطفلة الغاضب تجاه الحادث، وقد كشفت عنه قسمات وجهها المذعور ونظراتها الصاعقة.
- التزام الخادمة سعدية الصمت، وهو ما سبب الكآبة لبنت السارد وحرمها من لحظات السعادة والاستمتاع بحكايات صديقتها.
- انشغال السارد بصمت سعدية وقلقه بشأن طبيعته ومداه، مقابل قيامه بمحاولات فاشلة لاستعادة مرح الخادمة.
- فشل السارد في الحلول محل سعدية وتقمص أدوارها في تأمين المرح والسعادة لابنته من خلال حكاية بعض القصص، إلا أن ابنته لم تستسغ طريقته.
- اقتناع السارد بأن سعدية ليست مجرد خادمة تلبي طلبات الأسرة، بل إنسان له كرامة ووجود مستقل.
- اكتشاف السارد أن للخادمة وجودًا آخر خارج البيت، فيه متنفس للمرح أسفل السلم مع زميلتها من شقة أخرى.
- التقاء نظرات الراوي وسعدية وانخراطهما في حوار صامت بعد اكتشافه عالمها الآخر، مما أعاد الثقة إلى الطرفين.
الخطاطة السردية
- البداية: مجيء سعدية من القرية إلى المدينة للعمل كخادمة بيوت.
- الحدث الطارئ: صفع الزوج المشغل لخادمته سعدية.
- العقدة: صمت سعدية وتأثيره على المشغل وابنته.
- الحل: قرار فتح حوار جاد مع سعدية بتبادل نظرات الثقة بينهما.
- النهاية: عودة سعدية إلى حركيتها وحالتها الطبيعية.
الشخصيات
الشخصيات المحورية
سعدية: طفلة ريفية صغيرة، سمراء البشرة، نحيفة، دفعها الفقر إلى الاشتغال كخادمة بيوت. تتصف بالبراءة والمرح والعفوية، وهي عنيدة، محبوبة لدى بنت السارد، وبارعة في الحكاية ومنشطة رائعة.
السارد / المشغل / الزوج: شاب ناضج في مقتبل العمر، متوسط الحال، متزوج وأب لطفلة، يمتهن الكتابة. يتصف بالاندفاع وسرعة الغضب بحكم ميله إلى الهدوء، غير أن سلوكه وتفكيره لا يخلو من بعض الغرور والسلطوية والتحكم.
الشخصيات الثانوية
بنت السارد: طفلة صغيرة مدللة، تحب المرح كسائر الأطفال، ذكية، ولها ذوق رفيع، متعلقة بسعدية وتحبها وتحب حكاياتها.
زميلة سعدية: خادمة أخرى تشتغل بإحدى الشقق المجاورة، وبالرغم من أنها شخصية عابرة، إلا أنها تشكل متنفسًا لسعدية وقت الضيق.
الزمان في النص
يتأرجح زمن النص بين الماضي والحاضر؛ فالماضي هو زمن فعل السرد، والحاضر هو زمن الوصف والمناجاة، غير أنه يبقى في الحالتين زمنًا متسلسلًا ومنسجمًا مع مجريات الأحداث، ولو أنه يختزل في زمن الصمت. وهذا الزمن زمن نفسي، مرتبط بالشخصيتين الرئيسيتين: السارد وسعدية، ولذلك بدا بالنسبة إلى السارد طويلًا أكثر مما يتصور.
المكان في النص
يبقى المكان في النص ذلك الفضاء الخاص والمحدود الذي لا يتجاوز الشقة، باعتبارها علامة على وضع اجتماعي ونفسي مستقر نوعًا ما يعيشه قاطنوها. فمكتب السارد يشير إلى فئة متعلمة واعية تمارس فعل الكتابة، والسلم كمكان للتواصل الآمن يحيل على فئة تلقائية تطرح عنها الأقنعة والخجل. وقد تراوح المكان بين الحميمية في بداية النص، والعدائية في لحظات الصمت، ثم العودة إلى الحميمية مرة أخرى في النهاية، لحظة استرجاع سعدية الثقة بنفسها.
بنية السرد
وضعية السارد: السارد في النص أحد شخصيات القصة المحورية، وما يدل على ذلك هو توظيف ضمير المتكلم وتقمص شخصية الزوج المشغل، مما جعله ساردًا مشاركًا لا مشاهدًا.
الرؤية السردية: بما أن السارد شارك في الأحداث، فإن الرؤية السردية التي تبناها هي الرؤية المصاحبة، لأن معرفته متساوية ومتوافقة مع باقي الشخصيات، ولم يستطع النفاذ إلى دواخلها كاملة.
بنية الحوار
نجد في النص حوارًا بنوعيه: الداخلي والخارجي. وقد اتخذ الحوار وظيفة تكسير رتابة السرد. فالحوار الداخلي كشف عن الحالة النفسية التي عاشها السارد لحظة صفعه للخادمة، ثم لحظة التزامها الصمت وشعوره بالندم. أما الحوار الخارجي فقد وجهه السارد إلى الخادمة على أمل أن يفتح معها حوارًا يعيد لها مرحها وسعادتها.
القيم في النص
- قيمة اجتماعية: تعكس قضية تشغيل الأطفال وحرمانهم من ممارسة طفولتهم وحقوقهم في التعليم والترفيه.
- قيمة إنسانية: تشير إلى ضرورة حفظ كرامة الإنسان مهما كانت وضعيته وسنه.
- قيمة نفسية: تثير الانتباه إلى ضرورة تعزيز الجانب العاطفي للطفل بشكل إيجابي دون إهانة أو تجريح.
- قيمة ثقافية: تدعو إلى تكريس حق التعليم والتعلم كضرورة إنسانية.
تركيب النص
يصور النص تجربة إنسانية مؤثرة عاشتها طفلة خادمة تعرضت للإهانة بسبب صفعة مفاجئة تلقتها من مشغلها بدعوى أنها كثيرة الحركة والصراخ، فكان ردها صمتًا رهيبًا جلب الكآبة إلى البيت الصغير. ولتصوير هذه التجربة، التزم الكاتب بمقومات الكتابة السردية من تنويع للشخصيات، وحضور للزمان والمكان، واعتماد تقنيات السرد والحوار، فقدم نصًا يفضح بعض مظاهر الاستغلال الاجتماعي، ويؤكد أن الاحترام والتواصل والرحمة هي السبيل لبناء علاقات إنسانية سليمة، وأن الاحتجاج الصامت قد يكون أبلغ من الكلام في ردع السلوك الجارح.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire