تحضير نص: أنا ثائر
تقديم عام
يندرج هذا النص ضمن شعر التفعيلة، وهو شعر اعتمد وزنًا جديدًا وتمرد على نظام البيت الشعري القائم على شطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري مع الحفاظ على التفعيلة. وقد ظهر شعر التفعيلة في الخمسينات من القرن العشرين بالعراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
ومن خصائصه الفنية: الاعتماد على السطر الشعري الواحد بدل نظام الشطرين، والاعتماد على وحدة التفعيلة دون التقيد بالبحر الواحد، واعتماد مواضيع ذات أبعاد إنسانية وكونية، والتعبير عن الواقع بلغة غير مألوفة، وتوظيف الرمز والأسطورة لغاية معينة.
كما أن النص يندرج ضمن شعر المقاومة والنضال، وهو الشعر الذي يعبر فيه الشاعر بعمق وأصالة عن ذاته الواعية بهويتها الثقافية والمتطلعة إلى الحرية الحقيقية في مواجهة المعتدي بجميع صوره. وقد شاع هذا المصطلح في الأدب العربي مع تصاعد الحركات التحررية ومقاومة الاستعمار.
ملاحظة النص
العنوان: أنا ثائر تركيب إسنادي يتكون من:
- المبتدأ: ضمير المتكلم المنفصل "أنا".
- الخبر: "ثائر".
معجميًا ينتمي العنوان إلى مجال النضال والمقاومة، ودلاليًا يشير إلى تصريح المتكلم بصفته الثورية التي ستلازمه إلى غاية تحقيق النصر والحرية.
ومن خلال مطلع القصيدة ونهايتها، يبدو أننا بصدد قصيدة من شعر التفعيلة في موضوع النضال والمقاومة، إذ يصرح الشاعر بإقدامه على الثورة لسوء أحوال الوطن والمواطنين، ثم يدعو في النهاية إلى التضامن مع الشعب الجزائري لإنجاح الثورة ضد المستعمر الفرنسي.
تأطير النص
نوع النص: قصيدة شعرية من شعر التفعيلة.
مجال النص: المجال الوطني والإنساني / شعر المقاومة والنضال.
مصدر النص: مقتطف من ديوان الشاعر الجزائري مفدي زكرياء، صادر عن منشورات المكتب التجاري ببيروت، الطبعة الأولى سنة 1961م.
صاحب النص: مفدي زكرياء، شاعر الثورة الجزائرية، تلقى علومه متنقلًا بين الجزائر وتونس، وساهم في النشاط الأدبي والسياسي في بلاده، وانضم إلى جبهة التحرير الوطني الجزائري، وسجن خمس مرات، ثم فر من السجن سنة 1959م، وهو صاحب أناشيد شهيرة معبرة عن النضال الجزائري.
فرضية النص
انطلاقًا من العنوان والمؤشرات الخارجية، نفترض أن الشاعر سيدعو إلى الثورة ضد المستعمر الفرنسي، ومواصلة المقاومة من أجل تحرير الوطن ونيل الاستقلال.
فهم النص
شرح بعض المفردات
- بارعات: داعيات / مبتهلات.
- استباحوا: استحلوا.
- السِّفر: الكتاب.
- الجدار / الجهاد: نصرة المظلوم.
المضمون العام
دعوة الشاعر الشعب الجزائري والشعوب العربية إلى النضال والثورة على المستعمر من أجل التحرير ونيل الاستقلال.
الوحدات الدلالية
المقطع الأول: من البداية إلى «يطلع فجرا»
وصف الشاعر أحوال البلاد وطنًا وشعبًا من جراء الاحتلال.
المقطع الثاني: من «قام كالمارد» إلى «ولتباركها السماء»
بيان أشكال القهر والتعذيب التي تعرض لها الشعب الجزائري من طرف المستعمر الفرنسي.
المقطع الثالث: من «قال يا أماه» إلى نهاية القصيدة
إيمان الشاعر بالثورة وتحفيزه الشعوب العربية على المقاومة والنضال ضد المستعمر الغربي.
المعجم
الحقل الدال على المستعمر
ظالم – ظلموني – لطموني – غللوني – حملوني – اتخذوني مغنمًا – أعدموني – أقاموا مأتمًا – كبلوني – دنسوا أرض الحمى.
الحقل الدال على الثورة
قال يا أماه – لبيك – كبر – تدفع – صارخًا – يدعو – استفز الشعب – شمر – تطوع – يلهب الطاغين نارًا – انصروا.
العلاقة بين الحقلين: علاقة تضاد وتنافر بين المستعمر والثورة؛ فرغم ما أوتيه المستعمر من قوة وعتاد، فإن الشعب مستعد للثورة والنضال إلى غاية تحقيق النصر ونيل الحرية.
الصور البلاغية
الاستعارة
النموذج الأول: «مالت الأكوان سكرى»
شبه الشاعر الأكوان بإنسان يترنح من السكر، فحذف المشبه به وأبقى على بعض لوازمه؛ لذلك فهي استعارة مكنية.
النموذج الثاني: «نجوم الليل حيرى»
شبه النجوم بإنسان يحتار ويتأمل، فهذه كذلك استعارة مكنية.
التشبيه
النموذج الأول: «قام كالمارد»
المشبه: الضمير المستتر في "قام"، المشبه به: المارد، الأداة: الكاف، ووجه الشبه غير مذكور، لذلك فهو تشبيه مرسل مجمل.
النموذج الثاني: «رتلوها كصلاة»
المشبه: الضمير في "رتلوها"، المشبه به: الصلاة، الأداة: الكاف، ووجه الشبه غير مذكور، فهو كذلك تشبيه مرسل مجمل.
الرمز
وظف الشاعر الرمز مثل: «معتصم» رمز البطولة والنخوة العربية، و«الصلاة» رمز الإيمان، و«عربيًا» رمز القومية العربية. وقد منح هذا التوظيف للثورة بعدًا قوميًا وإنسانيًا.
البنية الإيقاعية
من حيث الإيقاع الخارجي اعتمد الشاعر على التفعيلة كوحدة إيقاعية متفاوتة حسب التدفقات الشعورية، معتمدًا تفعيلة بحر الرمل: فاعلاتن، كما اعتمد تنويع الروي وعدم الالتزام بروي موحد.
أما من حيث الإيقاع الداخلي فقد اعتمد التكرار الصوتي، كما في: ظلموني – لطموني – غللوني – كبلوني، وكذلك: الحنايا – الزوايا – المنايا، وتدفع – تطوع – تدلى.
وقد أكسب هذا التنويع القصيدة جرسًا موسيقيًا ممتعًا، وعبّر بصدق عن أحاسيس الشاعر ومطلبه الثوري التحرري.
الأساليب
يغلب على النص الأسلوب الخبري وهيمنة الجمل الفعلية، خاصة التي فعلها ماضٍ، وهو ما يترجم الحالة النفسية للشاعر الناتجة عن معاناة الشعب الجزائري من القهر والاستعمار.
كما نجد الأساليب الإنشائية، مثل:
- النداء: «يا أماه».
- الأمر: «لقنوها – انصروا – أنصفوه».
قيم النص ومقاصده
يحمل النص قيمة وطنية تتجلى في الكفاح والتضحية من أجل استقلال الوطن، كما يحمل قيمة إنسانية تتمثل في بيان معاناة الشعوب من جور الدول الاستعمارية.
أما المقصد التواصلي فيتمثل في تعميق الشعور الإنساني والتضامن مع الشعوب المقهورة، والدعوة إلى النضال ضد الاستعمار.
التركيب
في هذه القصيدة الحرة، أو قصيدة التفعيلة، ذات البعد الوطني والإنساني، يبرز الشاعر الجزائري مفدي زكرياء ما تعرض له الشعب الجزائري من ظلم وعدوان، داعيًا إلى خوض غمار الثورة والمقاومة من أجل الاستقلال والتحرير. وقد وظف حقلين دلاليين متنافرين: حقلًا خاصًا بالمستعمر، وآخر خاصًا بالثورة والنضال، كما توسل بأساليب خبرية وإنشائية وصور بلاغية متنوعة، واعتمد لغة بسيطة مكثفة وبنية موسيقية متنوعة، مكنته من التعبير عن أحاسيسه وتقريب المتلقي من قضايا الشعوب العربية المحتلة.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire