تحضير نص الحزن
مكون النصوص – المنير في اللغة العربية – ص 179 – الجذع المشترك الأدبي
تقديم عام
يندرج نص الحزن ضمن مكون النصوص، وهو نص شعري حديث يندرج في إطار شعر التفعيلة أو ما يسمى بالشعر الحر، كما يندرج ضمن شعر الاغتراب. ويصور الشاعر من خلاله تجربة نفسية وإنسانية قاسية، حيث يعبر عن الحزن العميق الذي يلازمه، وعن الإحساس بالوحدة والاختناق داخل المدينة والحياة.
الاقتراب من النص
1) تقديم شعر التفعيلة
شعر التفعيلة هو شعر اعتمد وزنا جديدا، وتمرد على نظام البيت القائم على الشطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري مع الحفاظ على التفعيلة. وقد ظهر شعر التفعيلة في الخمسينيات من القرن العشرين بالعراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
ومن خصائص قصيدة التفعيلة:
- الاعتماد على نظام السطر الشعري الواحد بدل نظام الشطرين.
- الاعتماد على وحدة التفعيلة دون التقيد ببحر واحد على الطريقة القديمة.
- اعتماد مواضيع ذات أبعاد إنسانية.
- اعتماد الانزياح والتعبير عن الواقع بلغة غير مألوفة.
- توظيف الرمز والأسطورة لغايات فنية ودلالية.
2) مفهوم الاغتراب
الاغتراب هو الشعور الذي يحسه الإنسان عندما يكون وحيدا داخل وسط لا يعرف فيه أحدا، أو حين يحس بعزلة داخل مجتمع لا يتفق معه، أو أجبر على المكوث فيه، أو حين يشعر بالبعد عن الأهل والأحباب في بلاد أخرى.
وموضوع الاغتراب موضوع قديم في الشعر العربي، فقد عرفه الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي حين لم ينسجموا مع قيم القبيلة، وظهر أيضا عند شعراء في عصور أخرى لم يتواصلوا مع وسطهم وبيئتهم. أما في العصر الحديث، فيتخذ الاغتراب صورة الانفصال الشعوري بين الشاعر وواقعه المعيش، ويتجلى في فقدان الكرامة الإنسانية والقهر الروحي والمادي، ويترجم في شعر التفعيلة للتعبير عن اليأس والرفض.
ملاحظة النص
العنوان: الحزن عنوان مفرد، ويحيل دلاليا على حالة نفسية تجسد الهم والكآبة التي قد تنتاب الإنسان لأسباب ذاتية أو موضوعية.
في مطلع القصيدة يشكو الشاعر لصديقه المفترض الحزن الذي يلازمه منذ مطلع الصباح، أما في الأسطر الأخيرة فيؤكد معاناته من هذا الحزن الذي أصبح يخيم على الطرقات وعلى المدينة كلها.
وانطلاقا من العنوان ومطلع القصيدة وخاتمتها، نستنتج أننا بصدد قصيدة من شعر التفعيلة في موضوع الاغتراب.
تأطير النص
- نوعية النص: قصيدة شعرية.
- نمطها: من شعر التفعيلة أو الشعر الحر.
- مجالها: تندرج ضمن شعر الاغتراب.
- مصدر النص: قصيدة مقتطفة من ديوان الناس في بلادي لصلاح عبد الصبور، دار العودة، بيروت.
صاحب النص
صلاح عبد الصبور شاعر مصري، ولد بإحدى قرى شرقي دلتا النيل، ويعد من أهم رواد حركة الشعر الحر العربي، ومن رموز الحداثة العربية المتأثرة بالفكر الغربي. كما يعد واحدا من الشعراء العرب القلائل الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي، وفي التنظير للشعر الحر.
من أهم دواوينه: أقول لكم، أحلام الفارس القديم، تأملات في زمن جريح.
ومن مسرحياته الشعرية: ليلى والمجنون، مأساة الحلاج.
ومن كتاباته النثرية والنقدية: حياتي في الشعر، أصوات العصر.
فرضية النص
انطلاقا من دراسة المؤشرات الخارجية للنص، نفترض أن الشاعر سيصور حالته الحزينة، وشعوره بالاغتراب داخل المدينة.
فهم النص
الشروح اللغوية
- صفيق: وقح.
- مقيت: بغيض.
- سمل: فقأ.
- جفلت: نفرت.
المضمون العام
رصد الشاعر حياته اليومية الحزينة، وما يعانيه من اغتراب داخل المدينة.
الوحدات
- الوحدة الأولى: من السطر الأول إلى السطر الثاني عشر: وصف الشاعر حالته الحزينة التي رافقته طيلة الصباح.
- الوحدة الثانية: من السطر الثالث عشر إلى السطر السابع عشر: تصوير الشاعر اشتداد حالة الحزن عليه مساء.
- الوحدة الثالثة: من السطر الثامن عشر إلى السطر الحادي والعشرين: بيان الشاعر انتشار الحزن في كل أنحاء الحياة.
- الوحدة الرابعة: من السطر الثاني والعشرين إلى الثامن والعشرين: تصوير الشاعر للمآسي والحزن المخيم على المدينة.
- الوحدة الخامسة: من السطر التاسع والعشرين إلى الأخير: رفض الشاعر تفاؤل الصديق، لإيمانه باستمرار وجود أسباب الحزن.
تحليل النص
1) المعجم
يتوزع النص على حقلين دلاليين أساسيين:
أ- حقل الحزن: إني حزين، ما ابتسمت، لم ينر وجهي، الحزن، حزن ضرير، حزن طويل.
ب- حقل الاغتراب: جوف المدينة، أمنية تموت، وهن، عفن، مقيت، قهر القلاع، سب الكنوز، حكاما طغاة، يا تعسها، سمل العيون، ريح سموم، منية حمقاء، نفثة رعناء، الحذر العميق.
والعلاقة بين الحقلين علاقة سببية، إذ إن الاغتراب هو السبب في تولد الحزن وهيمنته على نفسية الشاعر.
2) الصور البلاغية
التشبيه:
- حزن تمدد في المدينة كاللص في جوف السكينة: شبه الشاعر الحزن باللص في امتداده واختفائه وتسلله، وهو تشبيه مؤكد مجمل.
- كالأفعوان بلا فحيح: شبه الحزن بالأفعى في التمدد والخطورة، وهو كذلك تشبيه مؤكد مجمل.
الاستعارة:
- الحزن قد سمل العيون: استعارة مكنية، حيث شبه الحزن بإنسان قادر على فقء العيون.
- الحزن يفترش الطريق: استعارة مكنية، حيث شبه الحزن بإنسان أو كائن يفترش الطريق ويملؤه.
وقد وظف الشاعر التشبيه والاستعارة وتشخيص الحزن من أجل إبراز المفارقات والتناقضات التي عمقت الإحساس بالاغتراب.
3) البنية الإيقاعية
الإيقاع الخارجي:
- اعتماد التفعيلة كوحدة إيقاعية متغيرة حسب التدفقات الشعورية.
- تنويع الأسطر الشعرية.
- عدم الالتزام بروي موحد.
الإيقاع الداخلي:
- تكرار بعض الحروف مثل: الميم، الحاء، النون.
- تكرار بعض الكلمات مثل: الصديق، المساء، الصباح، الحزن.
وقد أكسب هذا التنوع الإيقاعي القصيدة جرسا موسيقيا مؤثرا، وعبر بصدق عن معاناة الشاعر وآلامه.
4) الأساليب
يغلب على النص الأسلوب الخبري لأن الشاعر يطلعنا على حالته النفسية وعلى مظاهر الاغتراب والحزن التي يعيشها.
كما حضرت بعض الأساليب الإنشائية، مثل:
- النداء: يا صاحبي.
- الأمر: زوق حديثك.
وقد وظف الشاعر هذه الأساليب للتعبير عن الحزن العميق الذي يسكنه ويسكن المدينة.
قيمة النص ومقاصده
لهذه القصيدة بعد فني أدبي يتمثل في كونها نموذجا لشعر التفعيلة في نمط شعر الاغتراب، كما أن لها بعدا إنسانيا واضحا يتجلى في التحسيس بتأثير الاغتراب في النفس البشرية، ودوره في توليد الحزن والإحباط وفقدان الأمل.
تركيب النص
في هذه القصيدة، وهي من شعر التفعيلة أو الشعر الحر وتندرج ضمن شعر الاغتراب، يصور الشاعر صلاح عبد الصبور شعوره بالحزن والاغتراب الذي يلاحقه ويلاحق الناس داخل المدينة، فيحول الحياة إلى كابوس دائم. وقد اعتمد الشاعر حقلين دلاليين متكاملين هما حقل الحزن وحقل الاغتراب، كما اعتمد اللغة الإيحائية المتمثلة في التشبيه والاستعارة، ووظف الأساليب الخبرية والإنشائية والإيقاع الموسيقي، ليتمكن من نقل معاناته النفسية والإنسانية بصدق وعمق.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire