تحضير نص مذكرات الصوفي بشر الحافي
مكون النصوص - النجاح في اللغة العربية - ص 154 - الجذع المشترك الأدبي
تقديم عام
شعر التفعيلة هو شعر اعتمد وزنًا جديدًا وتمرد على نظام البيت القائم على الشطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري مع الحفاظ على التفعيلة. وقد ظهر شعر التفعيلة في الخمسينات من القرن العشرين بالعراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة. ومن خصائصه الفنية: الاعتماد على نظام السطر الشعري بدل نظام الشطرين، والاعتماد على وحدة تفعيلية دون التقيد بالبحر الواحد، واعتماد مواضيع ذات أبعاد إنسانية وكونية، والتعبير عن الواقع بلغة غير مألوفة مع توظيف الرمز والأسطورة لغاية معينة.
مفهوم شعر الاغتراب
الاغتراب هو الشعور الذي يحسه الإنسان عندما يكون وحيدًا داخل وسط لا يعرف فيه أحدًا، أو الإحساس بعزلة داخل مجتمع معين لا يتفق معه، أو أُجبر على المكوث فيه، أو الشعور بالبعد عن الأهل والأحباب في بلاد أخرى.
وموضوع الاغتراب موضوع قديم في الشعر العربي، مثل ظاهرة الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي الذين لم ينسجموا مع قيم القبيلة، وآخرين في عصور أخرى لم يتواصلوا مع وسطهم وبيئتهم. أما في العصر الحالي، فيتخذ الاغتراب حالة انفصام بين الشاعر وواقعه المعيش، ويتجلى في الشعور بفقدان الكرامة الإنسانية والقهر الروحي والمادي، ويُترجم في شعر التفعيلة للتعبير عن اليأس والنقد والرفض.
ملاحظة النص
العنوان: مذكرات الصوفي بشر الحافي، وهو تركيب إضافي؛ المضاف "مذكرات" وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هذه"، والمضاف إليه "الصوفي"، وجاء متبوعًا ببدل هو "بشر الحافي".
دلالة العنوان: يشير العنوان إلى أن النص يسرد بعض ذكريات أو مذكرات الصوفي بشر الحافي ومعاناته في المجتمع.
مطلع القصيدة: فيه ينصح الشيخ بسام الدين بشر الحافي بالصبر في الدنيا.
الأسطر الأخيرة: تبين اختفاء الإنسان من كثرة الآلام والمصائب حتى لم يعد له أثر. وانطلاقًا من العنوان ومطلع القصيدة والأسطر الأخيرة يبدو أننا بصدد قصيدة من شعر التفعيلة في موضوع الاغتراب.
تأطير النص
نمط النص ومجاله: القصيدة من شعر التفعيلة، وتندرج ضمن شعر الاغتراب.
مصدر النص: القصيدة مقتطفة من ديوان أحلام الفارس القديم للشاعر المصري صلاح عبد الصبور، عن دار الآداب ببيروت، الطبعة الأولى سنة 1969، الصفحة 107.
صاحب النص: صلاح عبد الصبور شاعر مصري من مواليد إحدى قرى شرقي دلتا النيل، ويعد أحد أهم رواد حركة الشعر الحر العربي، ومن رموز الحداثة العربية المتأثرة بالفكر الغربي، كما يعد من الشعراء العرب القلائل الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي والتنظير للشعر الحر.
من أهم دواوينه: أقول لكم، أحلام فارس قديم، ومنه أخذت هذه القصيدة، وتأملات في زمن جريح.
من مسرحياته الشعرية: ليلى والمجنون، مأساة الحلاج.
من كتاباته النثرية والنقدية: حياتي في الشعر، أصوات العصر.
فرضية النص
انطلاقًا من دراسة المؤشرات الخارجية السابقة، نفترض أن الشاعر سيبرز مظاهر الاغتراب في مجتمعه.
الشرح اللغوي
- الحصباء: أرض كثيرة الحجارة والحصى.
- الأنقاض: بقايا البناء المهدَّم، أي الخراب.
- الكركي: طائر كبير أغبر اللون.
- الموبوء: الذي أُصيب بالوباء، أي المريض.
المضمون العام
تصوير الشاعر مظاهر الاغتراب التي يعيشها في واقع تعج فيه المتناقضات والصراعات بين بني البشر.
الوحدات الدلالية
المقطع الأول: تقمص الشاعر شخصية بشر الحافي وهو يتلقى نصائح الشيخ بالصبر وتجنب التشاؤم.
المقطع الثاني: نزول بشر والشيخ إلى السوق والوقوف على حقيقة الإنسان الذي تخلى عن قيمه الإنسانية.
المقطع الثالث: تساؤل بشر عن الإنسان الحقيقي وطمأنة الشيخ له بظهوره مستقبلًا.
المقطع الرابع: تأزم أوضاع الإنسان وصعوبة إصلاح أحواله الآن.
تحليل النص
1) المعجم
هناك ثلاثة حقول بارزة في النص:
حقل الإنسان: الشيخي، بشر، بسام الدين، الإنسان الكلب، الإنسان الأفعى، الإنسان الثعلب، الإنسان الكركي، دماغ الإنسان، الإنسان الفهد، بطن، نخاع.
حقل الزمان: اليوم الثامن، الأسبوع الخامس، الشهر الثالث عشر، اليوم الموبوء، عبر أعوام.
حقل الاغتراب: دنيانا أجمل، اهتز السوق، الأنقاض السوداء، حفر الحصباء، نام، تغطى بالآلام.
العلاقة بين هذه الحقول الثلاثة هي علاقة ترابط وتكامل، وتمثل حالات اغتراب الإنسان عبر فضاء زماني غير واضح المستقبل.
2) الأساليب البلاغية
وظف الشاعر التشبيه مثل:
في السطر السابع: كان الإنسان الأفعى، وفي السطر التاسع: فمشى بينهما الإنسان الثعلب. ففي المثالين المشبه هو الإنسان، والمشبه به هو الأفعى أو الثعلب، وأداة التشبيه محذوفة، ووجه الشبه محذوف كذلك، لذا فالتشبيه بليغ.
أما الاستعارة فقد وردت في:
السطر الخامس عشر: اهتز السوق، فالمستعار له هو السوق، والمستعار منه المحذوف هو الإنسان، والعلاقة هي المشابهة، والقرينة اللفظية "اهتز"، ونوع الاستعارة مكنية.
وفي السطر الثاني والثلاثين: وتغطى بالآلام، فالمستعار له هو الآلام، والمستعار منه المحذوف تقديره الأغذية أو ما يتغطى به الإنسان، والعلاقة هي المشابهة، والقرينة لفظية، ونوع الاستعارة مكنية.
كما اعتمد الشاعر على الرمز بكثرة:
- الأفعى: ترمز إلى الغدر.
- الثعلب: يرمز إلى المكر والخداع.
- الكلب: يرمز إلى القسوة والحقارة.
- الفهد: يرمز إلى الظلم والقهر.
يتبين أن الشاعر وظف التشبيه والاستعارة والرمز لبيان التناقضات والصراعات التي يعيشها الإنسان في مجتمعه عندما تخلى عن القيم الإنسانية ومكارم الأخلاق وانساق وراء أنانيته ووحشيته.
3) البنية الإيقاعية
الإيقاع الخارجي: اعتمد الشاعر تفعيلة واحدة في أسطر شعرية متفاوتة حسب التدفقات الشعورية، كما اعتمد تنويع القافية والروي وعدم الالتزام بروي موحد كما هو الشأن في القصيدة العمودية.
الإيقاع الداخلي: وظف الشاعر التكرار لبعض الحروف مثل الميم والسين واللام، كما وظف تكرار بعض الكلمات مثل: شيخ، الإنسان، صبر، الثعلب.
4) الأساليب
يلاحظ هيمنة الأساليب الخبرية حيث اتخذ النص طابعًا إخباريًا، وذلك لكون الشاعر يتتبع أخبار الناس في السوق ويعرض حواره مع الشيخ بسام الدين في هيئة بشر الحافي.
أما الأساليب الإنشائية فنجد منها:
- الاستفهام: أين الإنسان؟
- الأمر: اصبر، قل لي.
- الاستثناء: لا تبصر إلا الأنقاض.
- النداء: يا بشر، يا شيخي.
تنويع الشاعر لهذه الأساليب مكّنه من رصد حالات الاغتراب في المجتمع.
مقصدية النص وقيمه
للنص قيمة فنية أدبية تتجلى في كونه نموذجًا من شعر الاغتراب.
كما للنص أبعاد إنسانية تتمثل في بيان حالات الاغتراب الناتجة عن صراع الإنسان مع أخيه الإنسان.
تركيب النص
في هذه القصيدة التي تندرج ضمن شعر الاغتراب، يصور الشاعر المصري صلاح عبد الصبور الواقع المرير الذي أصبح يعانيه الإنسان، وقد وظف ثلاثة حقول لبيان ذلك، مثل حقل الإنسان وحقل الزمن وحقل الاغتراب، في قالب حواري صوفي. ويلاحظ أن الشاعر اعتمد نظام التفعيلة واللغة الإيحائية المتمثلة في التشبيه والاستعارة والرمز، ووظف الأساليب الخبرية والإنشائية، وإيقاعًا موسيقيًا يعبر بصدق عن قساوة الاغتراب وتأثيره البالغ على نفسيته.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire