تحضير نص بعيدا عن جيكور
مكون النصوص – في رحاب اللغة العربية – ص 167 – الجذع المشترك الأدبي
تقديم شعر التفعيلة وشعر الاغتراب
شعر التفعيلة هو شعر اعتمد وزنًا جديدًا، وتمرد على نظام البيت القائم على الشطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري مع الحفاظ على التفعيلة. وقد ظهر في الخمسينيات من القرن العشرين بالعراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
من خصائص قصيدة التفعيلة:
- الاعتماد على نظام السطر الشعري بدل نظام الشطرين.
- الاعتماد على وحدة التفعيلة دون التقيد الصارم بالبحر الواحد.
- معالجة مواضيع ذات أبعاد إنسانية وكونية.
- الاعتماد على اللغة الإيحائية والانزياح والتعبير عن الواقع بلغة غير مألوفة.
- توظيف الرمز والأسطورة لغاية فنية ودلالية.
أما الاغتراب فهو الشعور الذي يحسه الإنسان عندما يكون وحيدًا داخل وسط لا يعرف فيه أحدًا، أو حين يشعر بالعزلة داخل مجتمع لا ينسجم معه، أو حين يبتعد عن أهله وأحبته في بلاد أخرى. وقديمًا ظهر هذا الإحساس في الشعر العربي، وفي العصر الحديث اتخذ الاغتراب بعدًا نفسيًا وإنسانيًا عميقًا، حيث أصبح يعبر عن فقدان الكرامة الإنسانية والقهر الروحي والمادي واليأس والرفض.
ملاحظة النص
يتكون عنوان النص من عبارتين: بعيدًا وجيكور. فكلمة "بعيدًا" ظرف مكان يحيل على البعد والغربة، أما "جيكور" فهي قرية عراقية تمثل مسقط رأس الشاعر بدر شاكر السياب. وهكذا فإن العنوان يوحي منذ البداية بحياة الاغتراب التي يعيشها الشاعر وهو بعيد عن قريته وأهله.
كما أن مطلع القصيدة يعبر عن معاناة الشاعر بعيدًا عن الوطن والأهل، بينما تكشف الأسطر الأخيرة حالة اليأس والألم التي وصل إليها، ومن ثم يبدو أننا أمام قصيدة من شعر التفعيلة في موضوع الاغتراب.
تأطير النص
نوع النص: قصيدة شعرية حديثة من شعر التفعيلة.
مجال النص: المجال الشعري، ويندرج ضمن شعر الاغتراب.
مصدر النص: القصيدة مقتطفة من ديوان بدر شاكر السياب، عن دار العودة ببيروت، من المجلد الأول.
صاحب النص: بدر شاكر السياب شاعر عراقي ولد بقرية جيكور في محافظة البصرة سنة 1926م، ويعد من مؤسسي الشعر الحر في العالم العربي. توفيت أمه وهو في السادسة من عمره، وعانى كثيرًا في شبابه من المرض الذي أضعف جسده ودفعه إلى التنقل بين عواصم مختلفة طلبًا للعلاج. توفي سنة 1964م. ومن دواوينه: المومس العمياء، الأسلحة والأطفال، أنشودة المطر، المعبد الغريق، منزل الأقنان، أزهار وأساطير، إقبال، قيثارة الريح...
فرضية القراءة
انطلاقًا من العنوان ومصدر النص وصاحبه، نفترض أن الشاعر سيصور معاناته من المرض والبعد عن الأهل والوطن، وسيعبر عن إحساسه بالغربة واليأس والحنين إلى الأحبة.
فهم النص
المضمون العام: تصوير الشاعر إحساسه بمعاناة الغربة وآلام المرض والبعد عن الأحبة.
الوحدات الدلالية
- المقطع الأول: تعبير الشاعر عن حزنه لفراق أهله والبعد عن وطنه.
- المقطع الثاني: بيان الشاعر معاناته من شدة المرض الذي كان سببًا في مغادرة أهله.
- المقطع الثالث: تمني الشاعر لقاء أحبته لشدة شوقه إليهم.
الشرح اللغوي
- جيكور: قرية عراقية، وهي مسقط رأس الشاعر.
- الصوان: نوع من الحجارة الصلبة.
- هدر: أحدث صوتًا من الهدير.
- دجى / دجن: ظلمة الليل.
المعجم
يتوزع المعجم في النص إلى حقلين دلاليين بارزين:
1) حقل المرض
من ألفاظه وعباراته: الداء، يشل خطاي، لولا الداء، الآلام، المستشفيات.
2) حقل الغربة
من ألفاظه وعباراته: بعيدًا عنك، عن بيتي وأطفالي، أشعر أنني قد ضعت في الزحمة، فارقت داري، الوحدة.
العلاقة بين الحقلين: علاقة تكامل وترابط، لأن المرض والغربة اجتمعا في تجربة الشاعر، فعكسا معاناته النفسية والجسدية في المهجر.
الأساليب البلاغية
الاستعارة
النموذج الأول: "تشد مخالب الصوان على قلبي"
شبه الشاعر الصوان بحيوان مفترس له مخالب، فحذف المشبه به وترك ما يدل عليه، ولذلك فهي استعارة مكنية.
النموذج الثاني: "نواجذ الفولاذ تمضغ أضلعي"
شبه الفولاذ بحيوان مفترس له نواجذ تمضغ، فحذف المشبه به وترك قرينة دالة عليه، وهي كذلك استعارة مكنية.
وقد وظف الشاعر الاستعارة ليبين شدة معاناته من المرض والغربة، وليجسد قسوة الواقع الذي يعيشه.
الرمز
مثال: "يا أنت يا قابيل خذ بيدي"
يرمز قابيل إلى الأنانية والقتل والجريمة والندم، وقد وظفه الشاعر للدلالة على قسوة الإنسان وأنانيته، وما يترتب عن ذلك من شقاء وأحزان.
البنية الإيقاعية
الإيقاع الخارجي
وظف الشاعر التفعيلة كوحدة إيقاعية متفاوتة حسب التدفقات الشعرية في القصيدة الحرة، كما اعتمد تنويع الروي وعدم الالتزام بروي واحد.
الإيقاع الداخلي
اعتمد الشاعر على تكرار بعض الحروف، خاصة حرفي الراء والميم، كما وظف الاشتقاق مثل: طير / الطيار، وأصرخ / صرخت / صراخ. وقد أكسبت هذه العناصر القصيدة جرسًا موسيقيًا معبرًا عن الأحاسيس والآلام.
الأساليب
الأساليب الخبرية
من أمثلتها: تمزق ما تبقى فيه من وتر، يمر بي الورى متراكدين، لولا الداء ما فارقت داري، لا طير في الأغصان تشدو.
الأساليب الإنشائية
من أمثلتها: النداء مثل: يا أنشودة المطر، أيها الإنسان، يا أنت يا قابيل. والاستفهام مثل: فهل أستوقف الخطوات؟، عندك زهرة حية؟. والأمر مثل: خذ بيدي، أعني، خفف الألم عني، واطرد الأحزان.
وقد زاوج الشاعر بين الأساليب الخبرية والإنشائية، ليقر بما يعانيه من آلام من جهة، وليصور وقع هذه المعاناة على نفسيته من جهة أخرى.
القيمة الفنية والإنسانية
تتمثل القيمة الفنية والأدبية للنص في كونه نموذجًا واضحًا من نماذج شعر التفعيلة ضمن شعر الاغتراب، حيث اعتمد الشاعر اللغة الإيحائية والرمز والاستعارة.
أما قيمته الإنسانية فتتجلى في التحسيس بتأثير الاغتراب والمرض في نفس الإنسان، وما يسببه ذلك من إحباط ووحدة وفقدان للأمل والحنين إلى الأحبة.
تركيب النص
في هذه القصيدة الحرة التي تندرج ضمن شعر التفعيلة وشعر الاغتراب، يصور الشاعر العراقي بدر شاكر السياب شعوره بالغربة الناتجة عن بعده عن الأهل والوطن، كما يعبر عن آلامه النفسية والجسدية بسبب المرض. وقد وظف لذلك حقلين دلاليين بارزين هما حقل المرض وحقل الغربة، واعتمد نظام التفعيلة واللغة الإيحائية المتمثلة في الاستعارة والرمز، كما زاوج بين الأساليب الخبرية والإنشائية، مما مكنه من نقل معاناته بصدق وتأثير فني واضح.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire