تحضير نص عذاب الحلاج
مكون النصوص – النجاح في اللغة العربية – ص 148 – الجذع المشترك الأدبي
تقديم عام
يندرج هذا النص ضمن شعر التفعيلة، وهو شعر اعتمد وزنًا جديدًا وتمرّد على نظام البيت القائم على الشطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري مع الحفاظ على التفعيلة. وقد ظهر شعر التفعيلة في الخمسينيات من القرن العشرين بالعراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
ومن خصائص قصيدة التفعيلة: الاعتماد على نظام السطر الشعري بدل نظام الشطرين، والاعتماد على وحدة تفعيلية دون التقيد الصارم بالبحر الواحد، واعتماد مواضيع ذات أبعاد إنسانية وكونية، والتعبير عن الواقع بلغة غير مألوفة مع توظيف الرمز والأسطورة لغاية معينة.
أما الاغتراب فهو الشعور الذي يحسه الإنسان عندما يكون وحيدًا داخل وسط لا يعرف فيه أحدًا، أو الإحساس بالعزلة داخل مجتمع معين لا يتفق معه، أو أُجبر على المكوث فيه، أو الشعور بالبعد عن الأهل والأحباب في بلاد أخرى. وموضوع الاغتراب موضوع قديم في الشعر العربي، ويظهر في العصر الحديث في صورة انفصام بين الشاعر وواقعه المعيش، ويتجلى في فقدان الكرامة الإنسانية والقهر الروحي والمادي، ويُعبَّر عنه في شعر التفعيلة من خلال اليأس والنقد والرفض.
ملاحظة النص
1) العتبة الأولى: العنوان
يتكون عنوان النص من تركيب إضافي: عذاب الحلاج. فـعذاب مضاف، وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا، والمضاف إليه هو الحلاج.
دلاليًا، يشير العنوان إلى أن النص سينقل معاناة شخص يُدعى الحلاج. وفي مطلع القصيدة يصف الشاعر معاناة الحلاج بعدما ساءت أحواله وتغيرت أوضاعه، أما في الأسطر الثلاثة الأخيرة فيأمل الشاعر ويحلم ببزوغ مستقبل أفضل يعيد الحياة إلى مجراها الطبيعي.
وانطلاقًا من العنوان ومطلع القصيدة والأسطر الأخيرة، يبدو أننا بصدد قصيدة من شعر التفعيلة في موضوع الاغتراب.
نمط النص ومجاله
من خلال شكل القصيدة، فهي من شعر التفعيلة، وتندرج ضمن شعر الاغتراب.
وهذه القصيدة مقتطفة من ديوان سفر الفقر والثورة لعبد الوهاب البياتي، دار آدم ببيروت، الطبعة الأولى، الصادرة في شهر شتنبر سنة 1965، من الصفحة 11 إلى الصفحة 29.
صاحب النص
عبد الوهاب البياتي شاعر عراقي، عاش في الريف طويلًا ثم انتقل إلى بغداد، ونال بها شهادة الإجازة. اضطهد بسبب أفكاره المعارضة، فتنقل بين دمشق وبيروت والقاهرة وموسكو وفيينا ومدريد وعمان. ويُعد من أعمدة القصيدة العربية التفعيلية ورواد الواقعية الرمزية. ومن دواوينه: ملائكة وشياطين، أباريق مهشمة، النار والكلمات.
فرضية النص
انطلاقًا من دراسة عتبات النص الخارجية، نفترض أن الشاعر سيبرز معاناة اغترابه مقارنة بعذاب الحلاج.
فهم النص
1) المقاطع
تتكون القصيدة من خمسة مقاطع، وهي:
- المقطع الأول: المريد
- المقطع الثاني: رحلة حول الكلمات
- المقطع الثالث: المحاكمة
- المقطع الرابع: الصلب
- المقطع الخامس: رماد في الريح
2) الشرح اللغوي
- العتمة: الظلمة.
- الأسمال: الثياب البالية والقديمة.
- الأسداف: جمع السِّدْف، وهي الظلمة.
- اليباب: القفر.
3) المضمون العام
تصوير الشاعر مظاهر الاغتراب التي عاشها في واقع متناقض ومتخلف، شبيه بواقع معاناة الحلاج.
4) الوحدات الدلالية
- المقطع الأول: المريد
تجريد الشاعر من نفسه مخاطبًا يحاوره عن ظروف الاغتراب التي زادت من معاناته وآلامه. - المقطع الثاني: رحلة حول الكلمات
يصور فيه الشاعر واقع الفقراء المأساوي الذي أثر في الحلاج بعد خروجه إلى الأسواق. - المقطع الثالث: المحاكمة
يبين فيه الشاعر ظروف المحاكمة الظالمة التي تعرض لها، والمتمثلة في شخص الحلاج. - المقطع الرابع: الصلب
تصوير حالة الشاعر أثناء الشروع في تنفيذ الحكم الجائر عليه، بسبب دفاعه عن الفقراء، وهو يسلك نفس مصير الحلاج. - المقطع الخامس: رماد في الريح
يصف الشاعر فيه تعذيب شبيه الحلاج وقتله وحرق جثته ونثر رماده في الريح.
تحليل النص
1) المعجم
يتوزع النص معجميًا إلى حقلين: حقل خاص بالاغتراب، وآخر خاص بالسلطة.
الحقل الأول: الاغتراب
العتمة، الفراغ، الدوار، براعة البكاء، طريقًا صامتًا، ما أوحش الليل، تعاسة، السحب السوداء، الأمطار، الرياح، وحشة، ها أنا عريان...
الحقل الثاني: السلطة
الذئاب، صائد الذباب، السياف، الموت، الحصار، السلطان، جبان، شهود الزور، وليمة الشيطان، الإعدام، قطعوها، أحرقوها، نثر رمادًا...
العلاقة بين الحقلين علاقة سببية؛ فالشاعر يعيش معاناته في واقع مرير، سببه الاغتراب في ظل حاكم جائر.
2) الأساليب البلاغية
اعتمد الشاعر الاستعارة في عدة مواضع، مثل: تلطفت روحك بالأصباغ، امتطي صهوة هذا الألم القتال، دفاتر أخمد أشواقها، مرغوا الحروف في الأوحال.
كما وظف الرمز، فشخصية الحلاج نفسها ترمز إلى ذات الشاعر، وهناك رموز أخرى مثل:
- الليل: رمز الحزن والألم.
- الحديقة: رمز الأمن والسعادة.
- كلب الصيد: رمز الواشي.
- لساني: رمز الشعر والرأي.
وقد اعتمد الشاعر على الاستعارة والرمز ليصور عمق معاناته من الاغتراب.
3) البنية الإيقاعية
من حيث الإيقاع الخارجي، اعتمد الشاعر تفعيلات ووحدات إيقاعية متفاوتة حسب التدفقات الشعرية، كما اعتمد تنويع القافية والروي.
أما من حيث الإيقاع الداخلي، فقد وظف الشاعر التكرار لبعض الحروف مثل: الميم، العين، النون، وكذلك تكرار بعض الكلمات مثل: الذئاب، الموت، السلطان، السياف.
4) الأساليب
زاوج الشاعر بين الأساليب الخبرية والأساليب الإنشائية.
ويغلب على النص الأسلوب الخبري، لأن الشاعر يخبر ويسرد ما تعرض له من مضايقات ومقاساة وآلام الاغتراب.
أما الأساليب الإنشائية فقد تنوعت، مثل:
- الاستفهام: من أين لي الأمر؟
- النهي: لا تُفضِ، لا تمشِ
- النداء: يا ناحرًا ناقته
وقد نوع الشاعر هذه الأساليب الإنشائية حتى يتمكن من رصد الحالة النفسية للمغترب.
5) الضمائر
اعتمد الشاعر على ثلاثة أنواع من الضمائر:
- ضمير المتكلم: ويرتبط بشخصية الشاعر وحالته النفسية.
- ضمير المخاطب: ويعود على الحلاج الذي يحاوره الشاعر ضمنيًا.
- ضمير الغائب: ويصور أحوال الفقراء المستضعفين والحكام المستبدين.
6) مقصدية النص
للنص قيمة فنية وأدبية تتمثل في كونه نموذجًا لشعر الاغتراب، كما أن للقصيدة أبعادًا إنسانية تتجلى في بيان الشاعر ظروف عيش المغترب وأشكال معاناته.
تركيب النص
في هذه القصيدة الشعرية يصور الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي معاناته من ظلم الحاكمين نتيجة مواقفه المعارضة ودفاعه عن الفقراء، مشبهًا وضعه بحال الحلاج لما يشتركان فيه من صمود وتحدٍّ. وقد وظف الشاعر حقلين دلاليين للتعبير عن حالته النفسية المغتربة، وهما حقل الاغتراب وحقل السلطة. كما اعتمد نظام التفعيلة، واللغة الإيحائية المتمثلة في الاستعارة والرمز، وتوظيف الأساليب الخبرية والإنشائية، وإيقاعًا موسيقيًا حزينًا، حتى يتمكن من إبراز قساوة الاغتراب وتأثيره البالغ في نفسيته.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire