تحضير نص الدار البيضاء
مكون النصوص – النجاح في اللغة العربية – ص 142 – الجذع المشترك الأدبي
تقديم عام
يندرج نص الدار البيضاء ضمن مكون النصوص بالمجزوءة الثانية من الدورة الثانية، ضمن محور شعر التفعيلة / شعر المدينة. ويعالج النص صورة مدينة الدار البيضاء في إحساس الشاعر، وما ارتبط بها من ذكريات شخصية ووطنية، وما آلت إليه أوضاعها من صمت وحزن وتغير.
تمهيد: شعر التفعيلة
شعر التفعيلة شعر اعتمد وزنًا جديدًا، وتمرد على نظام البيت القائم على الشطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري مع الحفاظ على التفعيلة. وقد ظهر هذا الشعر في خمسينيات القرن العشرين بالعراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
ومن خصائصه الفنية:
- الاعتماد على نظام السطر الشعري بدل نظام الشطرين.
- الاعتماد على وحدة التفعيلة دون التقيد الصارم بالبحر الواحد.
- اعتماد مواضيع ذات أبعاد إنسانية وكونية.
- التعبير عن الواقع بلغة غير مألوفة.
- توظيف الرمز والأسطورة لغاية فنية ودلالية.
تمهيد: شعر المدينة
لم يتعرض الشعراء قديمًا لموضوع المدينة في قصائدهم بسبب غلبة الطابع البدوي وبساطة الحواضر. أما في العصر الحديث، ومع الاكتظاظ وكثرة المرافق والتناقضات التي يعيشها سكان المدن، فقد ظهرت ثورة شعرية من حيث المضمون، رافضة اغتراب الإنسان في المدينة وما يعيشه من فقر وحرمان وظلم.
وقد صاحب هذه الثورة تحول في الشكل، فكان شعر التفعيلة هو الوعاء الذي احتضن رؤية الشاعر المعاصر للمدينة، ووعيه المتزايد بها، ليبني مدينته الجديدة كما يراها هو، لا كما يفرضها الواقع المزيف الذي يقتل القيم الإنسانية.
ملاحظة العنوان
عنوان النص الدار البيضاء علم مركب تركيبًا وصفيًا، وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه. ويشير العنوان دلاليًا إلى أكبر مدينة مغربية، وربما سيحدثنا الشاعر عن علاقته بها ومعاناة السكان فيها.
ومن خلال مطلع القصيدة ونهايتها يتبين أن الشاعر يحس بشعور غريب عند ذكر اسم المدينة، كما أن الشعراء يتوقفون عن النظم حزنًا على ما آلت إليه أوضاعها.
وانطلاقًا من شكل القصيدة والعنوان ومطلعها وأسطرها الأخيرة، يبدو أننا بصدد قصيدة من شعر التفعيلة مضمونها المدينة.
التأطير النصي
نوع النص: قصيدة شعرية تنتمي إلى شعر التفعيلة أو الشعر الحر.
مجال النص: شعر المدينة.
مصدر النص: القصيدة مقتطفة من ديوان الفروسية عن كتاب الوحدة، سلسلة الإبداع، الجزء الثاني، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، الطبعة الأولى سنة 1987م، من الصفحة 81 إلى الصفحة 86.
صاحب النص: أحمد المجاطي، شاعر مغربي من مواليد الدار البيضاء، ويعد من أبرز الشعراء المغاربة الذين تميزوا في شعر التفعيلة إبداعًا وتنظيرًا.
من مؤلفاته في مجال التنظير والنقد: ظاهرة الشعر الحديث، ومن أعماله الإبداعية ديوان الفروسية.
فرضية النص
انطلاقًا من دراسة عتبات النص الخارجية، نفترض أن الشاعر سيصف مدينة الدار البيضاء، ويبرز علاقته بها وما يعتمل في نفسه تجاهها.
فهم النص
المضمون العام:
وصف الشاعر مدينة الدار البيضاء وما آلت إليه من أحوال بئيسة، مبرزًا علاقته بها بوصفها ذاكرة لأحلامه وأوجاع الوطن.
شرح المفردات
- يستبي: يأسر، من الأسر والسجن.
- الشرعة: الطريق والاتجاه والمذهب.
- الخمارة: موضع بيع الخمر أو بائعتها.
الوحدات الدلالية
المقطع الأول: من بداية النص إلى الشجن.
فكرته: اعتبار الشاعر الدار البيضاء ذاكرة لأحلامه وذكرياته الحزينة.
المقطع الثاني: من وأنت إلى صمتك.
فكرته: تساؤل الشاعر عن التزام المدينة الصمت رغم ما حل بها وبالأحبة من أهوال.
المقطع الثالث: من حين اكتشفت إلى آخر النص.
فكرته: استسلام المدينة البئيسة بعد انهزام السكان وسقوطهم في عالم النسيان.
الحقول الدلالية والجموع
يلاحظ في هذه القصيدة اعتماد الشاعر على مجموعة من الجموع مثل: الحروف، أحباب، أسماء، أحلام، السيوف، حدود...
وقد وظف الشاعر هذه الجموع للدلالة على تعدد الحالات والظواهر وتكرارها في مدينة الدار البيضاء.
الصور البلاغية
وظف الكاتب مجموعة من الاستعارات، من بينها:
- يستبي الرمل أحلامك
- أمسك الريح
- أنسج من صدى القيد راية
- القطار يفتت وجهي
كما اعتمد الشاعر على الرمز، مثل:
- الحروف: ترمز إلى الوعي.
- الريح: رمز للتغيير.
- الصمت: رمز للامبالاة.
- القطار: رمز للسرعة.
وقد اعتمد الشاعر على الاستعارة والرمز للتعبير عن أحاسيسه تجاه المدينة ومعاناته فيها.
البنية الإيقاعية
الإيقاع الخارجي:
اعتمد الشاعر على التفعيلة كوحدة إيقاعية متفاوتة حسب التدفقات الشعورية، ويلاحظ هذا الإيقاع الخارجي كذلك من خلال تنوع الروي بين الساكن والمتحرك دون الاعتماد على روي موحد كما هو الشأن في القصيدة العمودية.
الإيقاع الداخلي:
يتجلى في توظيف التكرار لبعض الحروف مثل الراء والنون، وكذلك تكرار بعض الكلمات مثل: الحروف، واحدًا، أبحرت.
الأساليب
يغلب على النص الطابع الإخباري، وذلك لأن الشاعر يصف ذكرياته في المدينة وما طرأ عليها من تغير بين الماضي والحاضر.
أما من حيث الأساليب الإنشائية، فيكثر الاستفهام، مثل:
- هل أنت سائحة؟
- لماذا تدور الحروف؟
- هل أنت عاشقتي؟
- لِمَ لَمْ تزرعيني؟
ويلاحظ أن الشاعر أكثر من الاستفهام حتى يتمكن من تلقي أجوبة من المدينة التي تغيرت ملامحها وأحوالها.
قيمة النص ومقصديته
القيمة الفنية الأدبية: تتجلى في كون النص نموذجًا لشعر التفعيلة في نمط شعر المدينة.
البعد الإنساني: يتمثل في العلاقة التي تربط الإنسان بموطنه، وما يختزنه هذا الموطن من ذكريات وآلام وأحلام.
تركيب النص
في هذه القصيدة التي تنتمي إلى شعر التفعيلة وتندرج ضمن شعر المدينة، يصور الشاعر المغربي أحمد المجاطي أحوال مدينة الدار البيضاء بعدما أصابها من ضياع، وما خلفه ذلك في نفسه من ألم وحزن وحنين إلى الذكريات الشخصية والوطنية.
وقد وظف الشاعر حقلين دلاليين للتعبير عن حالته النفسية من جهة، وارتباطها بأحوال المدينة من جهة ثانية.
كما اعتمد نظام التفعيلة، ونظام الأسطر الشعرية، واللغة الإيحائية القائمة على الاستعارة والرمز، إلى جانب الأساليب الخبرية والإنشائية، ليبرز أوضاع المدينة وتأثيرها القوي في نفسيته.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire