تحضير نص: أغنية للقاهرة
مكون النصوص – في رحاب اللغة العربية – ص 152
الجذع المشترك الأدبي
تقديم عام
يندرج نص «أغنية للقاهرة» ضمن دروس الدعم الموجّهة للجذع المشترك الأدبي، وهو نص شعري وارد في الكتاب المدرسي في رحاب اللغة العربية في الصفحة 152، ضمن المجزوءة الثانية من الدورة الثانية، في محور شعر التفعيلة – نمط شعر المدينة.
تقديم شعر التفعيلة
شعر التفعيلة شعرٌ اعتمد وزنًا جديدًا، وتمرّد على نظام البيت القائم على الشطرين، واستبدله بنظام السطر الشعري مع الحفاظ على التفعيلة. وقد ظهر شعر التفعيلة في الخمسينيات من القرن العشرين بالعراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
ومن أهم خصائص قصيدة التفعيلة:
- الاعتماد على نظام السطر الشعري الواحد بدل نظام الشطرين.
- الاعتماد على وحدة تفعيلة دون التقيد الصارم بالبحر الواحد.
- اعتماد مواضيع ذات أبعاد إنسانية وكونية.
- اعتماد الانسياح والتعبير عن الواقع بلغة غير مألوفة.
- توظيف الرمز والأسطورة لغاية فنية ودلالية.
تمهيد: شعر المدينة
لم يتعرض الشعراء قديمًا لموضوع المدينة في قصائدهم، نظرًا لغلبة الطابع البدوي وبساطة الحواضر في ذلك الزمن. أما في العصر الحديث، وبفعل الاكتظاظ وكثرة المرافق والتناقضات التي يعيشها سكان المدينة، فقد ظهرت ثورة شعرية من حيث المضمون، رافضةً اغتراب الإنسان في المدن وما يعيشه من فقر وحرمان وظلم.
كما صحبت هذه الثورةَ ثورةٌ من حيث الشكل، فكان شعر التفعيلة هو الوعاء الذي احتضن رؤية الشاعر المعاصر للمدينة ووعيه المتزايد بها، ليبني مدينته الجديدة كما يراها بالصفات التي يختارها لها، لا كما يفرضها الواقع المزيّف الذي يقتل القيم الإنسانية في المجتمعات الحالية.
ملاحظة النص
العنوان: «أغنية للقاهرة» تركيب إسنادي، المبتدأ فيه محذوف تقديره: هذه، فيكون المعنى: هذه أغنية للقاهرة. والخبر هو أغنية، والجار والمجرور للقاهرة مرتبطان به.
دلالة العنوان: يشير إلى احتفاء رمزي بمدينة القاهرة، والتغني بمقوماتها الحضارية.
مطلع القصيدة: يبين فيه الشاعر شوقه للقاء المدينة وارتباطه بها.
الأسطر الأخيرة: تبرز عودة الشاعر إلى مدينته رغم ما ينتظره فيها من سوء الأحوال. ومن خلال شكل القصيدة وعنوانها ومطلعها وخاتمتها، يبدو أننا بصدد قصيدة من الشعر الحر / شعر التفعيلة تتناول قضية المدينة.
تأطير النص
نوع النص ومجاله: النص قصيدة من شعر التفعيلة، تندرج ضمن شعر المدينة.
مصدر النص: مقتطفة من ديوان «أحلام الفارس القديم»، عن دار العودة ببيروت، الطبعة الأولى، سنة 1972، من الصفحة 197 إلى الصفحة 199 بتصرف.
صاحب النص: صلاح عبد الصبور، شاعر مصري من مواليد إحدى قرى شرقي دلتا النيل، ويعد من أهم رواد حركة الشعر الحر العربي، ومن رموز الحداثة العربية المتأثرة بالفكر الغربي. كما يعد واحدًا من الشعراء العرب القلائل الذين كانت لهم مساهمة بارزة في التأليف المسرحي والتنظير للشعر الحر.
من أهم أعماله: «أقول لكم»، «أحلام فارس قديم»، «تأملات في زمن جريح»، ومن مسرحياته الشعرية «ليلى والمجنون» و«مأساة الحلاج»، ومن كتاباته النثرية والنقدية: «حياتي في الشعر» و«أصوات العصر».
بناء فرضية النص
انطلاقًا من دراسة المؤشرات الخارجية، نفترض أن الشاعر سيبرز تعلقه بمدينة القاهرة وشوقه إلى العودة إليها، مع التعبير عن مشاعر الحب والحزن المرتبطة بها.
فهم النص
نص القصيدة
لقاك يا مدينةَ حُجّي ومَبكايا
لقاك يا مدينةَ أسایا
وحين رأيتُ من خلال ظلمة المطار
نورَكِ يا مدينة
عرفتُ أنني غلَّلتُ إلى الشوارع المسفلتة
إلى الميادين التي تموت في وحدتها
خُضرةُ أيامي
وإنما ما قدَّر لي جرحُ النامي
لقاكِ كلما اغتربتُ عنكِ بروح الظامي
وأن يكون موهبتي وما قُدِّر للقلب من عذاب
ينبوعَ إلهامٍ
وأن أذوب آخر الزمان فيكِ
وأن يضمَّ النيلُ والجزائرُ التي يشقُّها
والزيتُ والأوشابُ والحجرُ
عظامي المفتتة على الشوارع المسفلتة
على ذُرى الأحياء والسكك
حين يلمُّ شملَها تابوتي المنحوت من جميز مصر
أهواكِ يا مدينتي الهوى الذي يشرق بالبكاء
إذا ارتوت برؤية المحبوب عيناه
أهواكِ يا مدينة الهوى
الذي يسامحه لأن صوته الحبيس
لا يقول غير كلمتين إن أراد أن يصارح
أهواكِ يا مدينتي أهواكِ
رغم أنني أنكرتُ في رحابكِ
وأن طيري الأليف طار عني
وأنني أعود لا مأوى ولا ملتجأ
أعود كي أشرَّد في أبوابكِ
أعود كي أشرب من عذابكِ
الشرح اللغوي
- أسايا: أحزاني.
- غللت: قيلت في السياق بمعنى انجذبت أو اندفعت.
- الأوشاب: أخلاط الناس.
- الجميز: نوع من أشجار التين.
المضمون العام
تتغنى القصيدة بمدينة القاهرة بعد عودة الشاعر إليها، وتعبر عن مشاعر الحب والحزن التي يكنّها لها في الآن نفسه.
الوحدات الدلالية
الوحدة الأولى: من السطر الأول إلى السطر الثامن عشر، وتتمثل في تعلق الشاعر بمدينته باعتبارها مصدر إلهامه الشعري.
الوحدة الثانية: من السطر التاسع عشر إلى السطر التاسع والعشرين، وتتمثل في تصريح الشاعر بحبه لمدينته رغم قساوة العيش فيها.
تحليل النص
الحقول الدلالية
الحقل الأول: الدال على الحب والشوق
من ألفاظه وعباراته: أذوب آخر الزمان فيك، الهوى، أهواك يا مدينتي، ينبوع إلهام، رؤية المحبوب.
الحقل الثاني: الدال على الحزن والمعاناة
من ألفاظه وعباراته: أسايا، جرح النامي، يشرق بالبكاء، ظلمة، أشرب من عذابك.
العلاقة بين الحقلين: علاقة تنافر وتضاد، وذلك راجع إلى التوتر النفسي الذي يعيشه الشاعر في ارتباطه بمدينة القاهرة، فهي عنده موطن حب وألم في آن واحد.
الأساليب البلاغية
من أهم الأساليب البلاغية الواردة في النص الاستعارة في العبارات التالية: خضرة أيامي، أشرب من عذابك، أذوب آخر الزمان فيك.
وقد مكن حضور الاستعارة الشاعر من التعبير عن حالته النفسية المزدوجة تجاه مدينته، أي عاطفة الحب وعاطفة الحزن.
كما نجد الجناس الاشتقاقي مثل: أهواك / الهوى.
الأساليب الخبرية والإنشائية
يغلب على النص الطابع الإخباري، لأن الشاعر يطلعنا على حال المدينة وتأثيرها عليه باعتبارها مصدر إلهامه.
أما الأساليب الإنشائية فقد اعتمد الشاعر خاصة النداء، ويتجلى ذلك في تكرار نداء المدينة، مما يدل على أنها أصبحت جزءًا من ذاته يحس بكل ما يطرأ عليها من تغيرات.
قيمة النص ومقصديته
للنص قيمة فنية أدبية تتمثل في كونه نموذجًا لشعر التفعيلة في نمط شعر المدينة.
وله كذلك قيمة إنسانية تتجلى في التحسيس بتفاقم مشاكل المدينة وتأثيرها المباشر على أحوال ساكنيها.
تركيب النص
في هذه القصيدة، وهي من الشعر الحر أو شعر التفعيلة، وتندرج ضمن شعر المدينة، تناول الشاعر المصري صلاح عبد الصبور العلاقة الوجدانية التي تربطه بمدينة القاهرة، والتي تتأرجح بين الحب والشوق والحزن. وقد عبر عن ذلك من خلال حقلين دلاليين صوّر بهما حبه للمدينة من جهة، ومعاناته فيها من جهة أخرى. ويلاحظ أن الشاعر اعتمد نظام التفعيلة، أي نظام الأسطر الشعرية، واللغة الإيحائية المتمثلة في الاستعارة، وتوظيف الأساليب الخبرية والإنشائية، وإيقاعًا موسيقيًا مؤثرًا، ليبرز حالته النفسية التي يتجاذبها الحب والحزن معًا.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire