تعريف زبير التركي – فنان ورائد من رواد الفن التشكيلي التونسي
زبير التركي (1924 - 23 أكتوبر 2009) هو رسام ونحات تونسي بارز، يُعدّ من كبار روّاد الفن التشكيلي في تونس في القرن العشرين. كان أحد الأسماء التي ساهمت في ترسيخ الهوية البصرية الوطنية بعد الاستقلال، من خلال أعماله التي جمعت بين الأصالة التونسية وروح الحداثة الفنية. ترك بصمة عميقة في المشهد الثقافي والفني، وأثرى الحركة التشكيلية التونسية بإبداعه المتنوع في الرسم والنحت والزخرفة.
1- السيرة الذاتية والنشأة:
وُلد زبير التركي سنة 1924 بمدينة تونس العاصمة في بيئة مشبعة بالفن والتراث. منذ طفولته، أبدى شغفًا كبيرًا بالألوان والأشكال، فكان يرسم ما يراه في الأسواق القديمة والأحياء العتيقة من مشاهد الحياة اليومية.
تلقى تعليمه الفني في مدرسة الفنون الجميلة بتونس، ثم واصل دراسته في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، حيث تأثر بالمدارس الفنية الأوروبية الحديثة، خاصة الانطباعية والتكعيبية، غير أنه سعى دائمًا إلى صهرها في قالب يحمل الطابع التونسي الأصيل.
عند عودته إلى تونس، انخرط في الحركة الثقافية الوطنية وساهم في تأسيس مشهد فني يعبر عن الروح التونسية المستقلة والهوية المتجذّرة في التراث.
2- أهم إنجازاته وأعماله الفنية:
1. في الرسم:
تميز زبير التركي بأسلوب فني يجمع بين الرمزية والتراثية، مع توظيف الألوان الدافئة التي تعكس ضوء تونس وبهاءها.
تناول في لوحاته مواضيع الحياة الشعبية التونسية: الأسواق، الحرفيين، النساء في الأزياء التقليدية، والمساجد ذات الزخارف الإسلامية.
من أبرز أعماله اللوحات التي خلد فيها المدينة العتيقة بتونس، فحوّلها إلى رموز فنية تجسد الذاكرة الجماعية والهوية المحلية.
2. في النحت:
كان زبير التركي من أوائل النحاتين الذين أعادوا للنحت التونسي مكانته في المشهد الفني.
أنجز عدة تماثيل ونُصُب تذكارية في الساحات العامة، تمجّد رموز التاريخ والثقافة الوطنية.
من أشهر أعماله النحتية:
تمثال ابن خلدون في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية، وهو من أبرز الرموز الفنية في تونس الحديثة.
تمثال الحبيب بورقيبة في مدينة المنستير، الذي يخلّد زعيم الحركة الوطنية.
تميّزت أعماله النحتية بالواقعية الرمزية التي تجمع بين الدقة الفنية والبعد التاريخي والإنساني.
3. في الزخرفة والفنون التطبيقية:
ساهم أيضًا في زخرفة العديد من المؤسسات العمومية والمساجد، حيث جمع بين الزخرفة الإسلامية والفن الحديث.
كان يهدف من خلال هذه الأعمال إلى دمج الفن بالحياة اليومية، وجعل الجمال جزءًا من الفضاء العام.
3- الرؤية الفنية والجمالية:
رأى زبير التركي أن الفن التشكيلي وسيلة للتعبير عن الذات والهوية، وأن الفنان لا يجب أن يكون مقلّدًا للغرب، بل مبدعًا ينطلق من واقعه وتراثه.
كانت رؤيته قائمة على العودة إلى الجذور مع الانفتاح على الحداثة، فكان يقول في أحد حواراته: "الفنان الذي ينسى جذوره يفقد صوته الحقيقي."
اعتمد على الألوان الترابية والرموز المستوحاة من المعمار التونسي التقليدي، فحوّلها إلى لغة فنية عالمية تُفهم دون كلمات.
4- القضايا التي تناولها في فنه:
الهوية التونسية والعربية: عبر عن الخصوصية الثقافية التونسية في زمن كانت فيه الهوية مهددة بالانبهار بالغرب.
الإنسان التونسي البسيط: جسّد في لوحاته ونُصبه اليومية حياة الناس العاديين، من الحرفيين إلى النساء الريفيات.
التاريخ والذاكرة: سعى إلى تخليد الرموز الوطنية وإعادة قراءة التاريخ من زاوية جمالية.
الحرية والإبداع: رأى أن الفن هو مساحة حرّة لتأكيد الذات ومقاومة التبعية الفكرية والثقافية.
5- التأثير والإرث الفني:
ترك زبير التركي إرثًا فنيًا خالدًا جعل اسمه يُذكر مع كبار الفنانين التونسيين والعرب.
ساهم في تأسيس الاتحاد الوطني للفنانين التشكيليين التونسيين، وكان من الداعمين لتكوين الأجيال الجديدة من الفنانين.
كما عرضت أعماله في أهم المعارض الدولية في باريس، القاهرة، دمشق، وطرابلس، وحظيت بتقدير النقاد والجمهور على حد سواء.
بفضل جهوده، أصبح الفن التشكيلي في تونس جزءًا من الهوية الثقافية الوطنية، لا مجرد نشاط نخبوي.
الخاتمة:
يُعتبر زبير التركي من أعمدة الفن التشكيلي التونسي، إذ نجح في أن يجعل من فنه مرآة تعكس روح تونس وتاريخها وثقافتها.
جمع بين التراث والحداثة، بين الأصالة والتجديد، ليصوغ لغة فنية تونسية متميزة.
وبأعماله الخالدة في النحت والرسم، ظل شاهدًا على مسيرة الإبداع الوطني، وواحدًا من الفنانين الذين جعلوا من الجمال رسالة ومن الفن ذاكرة للوطن.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire