mercredi 12 novembre 2025

الحكاية المثليّة من خلال "كليلة ودمنة" لابن المقفّع - أولى ثانوي

الحكاية المثليّة من خلال "كليلة ودمنة" لابن المقفّع - أولى ثانوي

يُعدّ كتاب كليلة ودمنة من أروع ما ألّفه عبد الله بن المقفّع، وهو عمل أدبي وفكري يجمع بين الخيال والحكمة، والهزل والجد، والتسلية والعبرة. وقد اعتمد الكاتب أسلوب الحكاية الرمزية على ألسنة الحيوانات ليعالج من خلالها أوضاع الإنسان والمجتمع والسلطة بأسلوب شيّق يجذب القارئ ويدفعه إلى التأمل.

1- مظا
هر الهزل واللهو في كتاب كليلة ودمنة

يمثّل الهزل في هذا الكتاب الجانب الجمالي والفني الذي يبعث المتعة والتشويق في نفس القارئ، ويُخفف من حدة القضايا الجادة التي يتناولها النص.

 1. الشخصيات:

جعل ابن المقفّع الحيوانات الناطقة أبطالًا لحكاياته، فأسند إليها صفات بشرية كالذكاء والمكر والطمع والحكمة.
نجد في الغابة الأسد رمز السلطة، وكليلة ودمنة رمزي الحكمة والخداع، والثعلب والحمامة والفأر وغيرهم من الحيوانات التي تمثّل فئات مختلفة من المجتمع.
وهكذا خلق الكاتب عالمًا رمزيًا غنيًّا بالحركة والصراع يعكس علاقات البشر في صورة طريفة مسلية.

 2. الأحداث:

جاءت الأحداث قصيرة متتابعة وممتعة، يغلب عليها عنصر التشويق والإيجاز.
تدور في عالم خيالي عجيب يجمع بين الواقع والأسطورة، وتقوم على المجاز الذي يرمز للواقع الإنساني في ثوب فني بديع.
تتنوّع المواقف بين الجد والمرح، ويتعاطف القارئ مع الشخصيات الطيّبة المظلومة، مما يضفي على النص طابع الدهشة واللهو الجميل.

 3. الفضاء القصصي:

اختار ابن المقفّع زمانًا ومكانًا مطلقين لا يرتبطان بواقع محدد، ليتيح للقارئ فرصة الارتحال في عوالم رمزية تثير الخيال وتغذّي الفكر.
فالغابة تمثّل عالمًا عامرًا بالأسرار والمفاجآت، والحديث عن ابن آوى أو الأسد ليس عن حيوان حقيقي، بل عن رمز سياسي أو اجتماعي.
ومن أمثلة ذلك قوله في باب الأسد وابن آوى: «واعلموا أن ابن آوى كان يسكن بعض الدغل...»، حيث يتجلّى الطابع القصصي الممتع والجو الخيالي.

 4. بنية الحكاية:

جاءت الحكايات في الكتاب متسلسلة ومتداخلة، تبدأ غالبًا بعبارة "اضرب لي مثلًا..." وتنتهي بعبارة "وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن...".
يتخلّل السرد حكايات صغيرة تتفرّع من القصة الأصلية فتضاعف التشويق والإثارة، كما في "باب الأسد والثور" الذي يضم أكثر من عشرين قصة فرعية.
هذا التداخل القصصي يجعل النص غنيًّا بالتنوّع والحركة، فيثير الخيال ويغذّي روح اللهو والمتعة الفكرية.

2- مظاهر الجد والإفادة في كتاب كليلة ودمنة

رغم ما في الكتاب من تسلية، فإنّه يحمل في جوهره غاية إصلاحية واضحة، إذ يتناول قضايا اجتماعية وسياسية وقضائية بأسلوب رمزي بعيد عن المباشرة.

 1. القضايا الاجتماعية:

تناول ابن المقفّع عبر الحكايات صورًا مختلفة من المجتمعات:

مجتمع الاستبداد والقوة كما في "باب الأسد والثور" و"الحمامة المطوّقة"، حيث يسود منطق الغلبة والهيمنة.
مجتمع الفوضى والغاب الذي يفتقر إلى القانون والنظام.
مجتمع التفاهم والتعاون الذي تقوم علاقاته على التعقل والمشورة، وهو النموذج الذي يدعو إليه الكاتب.

 2. القضايا السياسية:

اهتم ابن المقفّع بالجانب السياسي في الحكايات، ومن أبرز مظاهره:

الدعوة إلى اختيار الأعوان والوزراء الأكفاء.
كشف مظاهر الاستبداد والظلم في تصرفات الأسد الذي يصدق الوشاية دون تحقق.
التحذير من فساد الحاشية وتدخلها في شؤون الحكم كما فعل دمنة.
الإشارة إلى تداخل السلطات حين يتدخل الملك في عمل القضاة.
ويبدو الأسد أحيانًا رمزًا للحاكم المستبد، وأحيانًا للحاكم العادل، مما يعكس ازدواجية السلطة في المجتمع.

 3. القضايا القضائية:

عالج الكاتب جملة من المسائل القضائية، أبرزها:

التسرع في إصدار الأحكام قبل التثبت من التهم.
خضوع القضاء لإرادة الملك وانعدام استقلاليته.
الدعوة إلى العدل والإنصاف والتحقيق قبل الإدانة.
ويظهر هذا جليًا في قصة محاكمة دمنة، حيث تم اتهامه قبل إثبات الجرم عليه.

3- الهدف الإصلاحي في كتاب كليلة ودمنة

يسعى ابن المقفّع من خلال هذا العمل إلى إصلاح الفرد والمجتمع والسلطة عبر قيم إنسانية وسياسية نبيلة.

1. القيم الاجتماعية:

التعاون كما في قصة الحمامة المطوّقة.
الصداقة والإيثار بين الحمامة والفأر.
استعمال العقل وحسن التدبير في مواجهة الصعاب.

2. القيم السياسية:

الدعوة إلى تحقيق العدل والمساواة في الحكم.
ضرورة استقلال القضاء عن الحاكم.
التحذير من تدخل الحاشية والمصالح الشخصية في القرارات.
التشجيع على أن يكون الحاكم حكيمًا متبصرًا يقدّم مصلحة الشعب على مصلحته.

3. القيم القضائية:

وجوب التحقق من الدعاوى وعدم الحكم بالظن أو الوشاية.
التأكيد على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
الاعتماد على الحجة والعقل لا على الشائعات أو الأهواء.
الدعوة إلى قضاء نزيه مستقل قائم على مبادئ العدل والموضوعية.

الخاتمة

إنّ كتاب كليلة ودمنة يجمع بين الهزل الهادف والجد الإصلاحي، فهو يُضحك القارئ بعجائبه ويُفيده بحكمه، يرفّه عنه بخياله ويعلّمه بواقعه.
وبذلك يكون هذا الكتاب تحفة أدبية فكرية خلدها التاريخ لأنها تخاطب العقل والوجدان معًا، وتقدّم نموذجًا راقيًا للأدب الذي يجمع بين المتعة والمنفعة.

0 commentaires

Enregistrer un commentaire