الخصائص الفنيّة للأقصوصة - محور الاقصوصة أولى ثانوي
تُعدّ الأقصوصة الواقعيّة من أبرز الأجناس السرديّة الحديثة التي سعت إلى تمثّل الواقع الاجتماعي وتمثيله فنيًّا، بعيدًا عن المباشرة والخطاب الوعظي. فهي لا تهدف إلى الإقناع المباشر أو التقريري، بل تجعل من الفنّ والإبداع وسيلة للنقد، ومن المتعة مدخلًا للفهم والتأمّل. وقد تميّزت الأقصوصة بخصائص فنيّة جعلتها شكلًا أدبيًّا مستقلًا، يقوم على التركيز والتكثيف ووحدة الأثر. فما أبرز الخصائص الفنيّة التي ميّزت الأقصوصة الواقعيّة على مستوى البناء والأسلوب والدلالة؟
1- البناء السردي والحدث
تقوم الأقصوصة على بنية حدثيّة بسيطة ومركّزة، إذ لا تحتمل تعدّد الأحداث كما هو الحال في الرواية، بل تكتفي بحدث واحد، أو بلحظة دالّة تختزن توتّرًا نفسيًّا أو اجتماعيًّا. وقد يتخذ البناء شكلًا تدرّجيًا ينتقل من العام إلى الخاص، أو دائريًا يبدأ بالأزمة وينتهي عندها، ممّا يعزّز وحدة الانطباع ويشدّ القارئ إلى مركز التجربة.
ولا يُشترط في الحدث أن يكون فعليًّا صاخبًا، فقد يكون داخليًا نفسيًا، أو مجرّد تحوّل في الوعي، لكنّه يظلّ قويّ الدلالة، شديد التركيز، وقابلًا للاختزال في جملة واحدة، وهو ما يمنح الأقصوصة كثافتها الفنيّة.
ولا يُشترط في الحدث أن يكون فعليًّا صاخبًا، فقد يكون داخليًا نفسيًا، أو مجرّد تحوّل في الوعي، لكنّه يظلّ قويّ الدلالة، شديد التركيز، وقابلًا للاختزال في جملة واحدة، وهو ما يمنح الأقصوصة كثافتها الفنيّة.
2- السرد والحوار
احتفى كُتّاب الأقصوصة بالسرد بوصفه العمود الفقري للقصّ، فغلب عليه السرد الخطي التتابعي، خاصة في مرحلة البدايات، حيث تتقدّم الأحداث من نقطة انطلاق واضحة إلى نهاية محدّدة دون استرجاع أو استباق. ويُسهم هذا الأسلوب في تعزيز الوضوح والاقتصاد السردي.
أمّا الحوار، فقد تنوّعت أشكاله بين الحوار الخارجي الثنائي أو الجماعي، والحوار الداخلي الذي يغوص في أعماق الشخصيّة، كاشفًا هواجسها وصراعاتها. وغالبًا ما تكون الرؤية السرديّة من الخلف، حيث يبدو الراوي عليمًا ببواطن الشخصيات، موجّهًا نظر القارئ نحو الدلالات العميقة للتجربة.
أمّا الحوار، فقد تنوّعت أشكاله بين الحوار الخارجي الثنائي أو الجماعي، والحوار الداخلي الذي يغوص في أعماق الشخصيّة، كاشفًا هواجسها وصراعاتها. وغالبًا ما تكون الرؤية السرديّة من الخلف، حيث يبدو الراوي عليمًا ببواطن الشخصيات، موجّهًا نظر القارئ نحو الدلالات العميقة للتجربة.
3- الوصف ووظائفه
يحتلّ الوصف في الأقصوصة موقعًا وظيفيًّا دقيقًا، فهو ليس غاية في ذاته، بل وسيلة للكشف والتكثيف. ويتنوّع بين وصف خارجي يرصد المكان والزمان والتحوّلات الظاهرة، ووصف داخلي يكشف الحالات النفسيّة والمشاعر الدفينة.
كما يتراوح الوصف بين الجادّ والساخر، وقد يميل أحيانًا إلى التصوير الكاريكاتوري، خاصّة في الأقصوصة الواقعيّة الساخرة، ممّا يضاعف أثر المفارقة ويعزّز البعد النقدي.
كما يتراوح الوصف بين الجادّ والساخر، وقد يميل أحيانًا إلى التصوير الكاريكاتوري، خاصّة في الأقصوصة الواقعيّة الساخرة، ممّا يضاعف أثر المفارقة ويعزّز البعد النقدي.
4- الزمان والمكان
يتميّز الزمان في الأقصوصة بالاقتصاد والدلالة، فقد تكون الإشارة إلى لحظة زمنية معيّنة كافية لاستدعاء عالم كامل من الإيحاءات. أمّا المكان، فيأتي غالبًا واقعيًّا، مرتبطًا بالبيئة العربيّة، وقد يتحوّل أحيانًا إلى رمز دالّ، دون أن يفقد صلته بالواقع. ويظلّ الزمان والمكان عنصرين متداخلين، يسهمان في تهيئة الجوّ النفسي وبناء الانطباع العام.
5- الرمز والواقعيّة
تلجأ الأقصوصة أحيانًا إلى الرمز، خاصّة حين تتناول موضوعات حسّاسة أو قضايا قهريّة، فيتحوّل الرمز إلى وسيلة فنيّة ذكيّة للتلميح دون التصريح. غير أنّ الإفراط في الرمزيّة قد يُضعف التواصل مع القارئ، لذلك ظلّ الرمز في الأقصوصة الواقعيّة محكومًا بوظيفة دلاليّة تخدم المعنى ولا تطمسه.
6- الخصائص البنائيّة الكبرى
يجتمع الدارسون على أنّ الأقصوصة تقوم على ثلاث خصائص فنيّة أساسيّة:
وحدة الانطباع: حيث تتضافر جميع العناصر لإحداث أثر واحد في نفس القارئ.
لحظة الأزمة: وهي لحظة الكشف أو التحوّل الحاسم في وعي الشخصية.
اتساق التصميم: أي إحكام البناء وتناسق عناصره دون ترهّل أو حشو.
وتفرض هذه الخصائص على الكاتب درجة عالية من التركيز والاختزال، فلا مكان للتفاصيل الزائدة أو الشخصيات غير الوظيفيّة، وتُعدّ النهاية المفاجئة جزءًا من هذا الإحكام البنائي.
وحدة الانطباع: حيث تتضافر جميع العناصر لإحداث أثر واحد في نفس القارئ.
لحظة الأزمة: وهي لحظة الكشف أو التحوّل الحاسم في وعي الشخصية.
اتساق التصميم: أي إحكام البناء وتناسق عناصره دون ترهّل أو حشو.
وتفرض هذه الخصائص على الكاتب درجة عالية من التركيز والاختزال، فلا مكان للتفاصيل الزائدة أو الشخصيات غير الوظيفيّة، وتُعدّ النهاية المفاجئة جزءًا من هذا الإحكام البنائي.
الخاتمة
يتبيّن في ختام هذا التحليل أنّ الأقصوصة الواقعيّة شكل أدبي مستقلّ، له خصائصه الفنيّة التي تميّزه عن الرواية وسائر الأجناس السرديّة. فهي تقوم على التركيز، والتكثيف، ووحدة الأثر، وتستثمر السرد والحوار والوصف والرمز في بناء تجربة إنسانيّة مكثّفة، تجمع بين المتعة الفنيّة والوعي النقدي. وبذلك، تحقّق الأقصوصة معادلة دقيقة بين الإبداع والجمال من جهة، والنقد والإبلاغ من جهة أخرى، لتظلّ فنًّا قادرًا على ملامسة الواقع دون أن يفقد شروطه الجماليّة.

0 commentaires
Enregistrer un commentaire